النوم الأسود 4 للكاتبة مروى جوهر

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2024-03-25

(4) 

كانت عودتي إلى الكلية وإلى الموسيقى أشبه بالعودة إلى الحياة، أشبه بالنجاة من غرفة "العناية المركزة" تستمر الحياة رغم كل شيء، وهكذا استمرت معي مرة أخرى، أردت أن أملأ حياتي بالإنجازات تماما كما أراد أبي وشجعني عليها، مازلت أسمع صوته يقول "ستصبح ما تصدقه عن نفسك يوما ما"، لذلك تحولت إلى النقيض، فطول السنوات الدراسية الفائتة لم أكن صداقات بالكلية، لم أحضر بالكلية كثيراً، لم أحضر محاضرات أو أتدرب على العزف الدوري في غرفة الموسيقى  إلا قليلا، اكتفيت بصداقات الفرقة وتدريباتها، وبالكاد اجتزت اختبارات الكلية السنية رغم حبي الشديد للموسيقى، الآن تبدل كل هذا.

لكنني لا أعلم لماذا أرى الكلية الآن كأنني أرى تفاصيلها للمرة الأولى! مبنى عتيق من ثلاثة طوابق ضخم المساحة، يطوق كل طابق بلكون طويل ممتد بطول الدور يربط جميع غرفه، فإذا فتحت باب بلكون أي غرفة من غرفه وصلك ببقية الغرف.

كان على يسار كل بلكون درج ثابت حديدي للطوارئ يصل كل طابق الطباق الذي يليه عبر كل بلكون، أما الفناء فكان واسعا تملؤه أشجار وورود رائعة، وبعض البرجولات الخشبية المميزة بنية اللون.

نظرت إلى الفناء وتساءلت، لماذا لم أعره اهتماما من قبل؟ أراه مبهجا لمن يدخل المكان لأول مرة، دائما يمتلئ بالطلبة بين عازف وراسم وناحت، فالكلية تشعر من يدخلها كأنه دخل معبداً للفن في التو واللحظة، كأنها تحتضن من يجلس فيها، لم أدخل المسرح القريب من البرجولات جهة اليمين الذي تنبعث منه أصوات الموسيقى التي أعشقها، فقط اضطررت أن أعزف فيه حفلات قليلة، لكني أعرف الكافتيريا على جهة اليسار عن ظهر قلب لأنني كلما احتجت قهوة ذهبت لأحضرها من هناك، بجانبها مباشرة مبنى رعاية الطلبة الذي لا أذكر أنني دخلته إلا قليلا.

كما أنني لم أهتم بالتماثيل المنحوتة المنتشرة في مدخل المبنى، التي أطلق الطلبة عليها أسماء ونكات في النهار لكنني كنت أراهم يهابونها ليلا، كما أنني لم أدقق يوما في اللوحات الزيتية المعلقة، خاصة وجه المرأة ذات العيون الكحيلة السوداء الواسعة والرموش الكثيفة.. اللوحة زيتية هائلة الحجم تتوسط كل اللوحات المعروضة.. بديعة الرسم لكنني لسبب ما كنت أجدها مخيفة إذا ما حدقت قليلا بعينيها! بقسم الطلبة أن عينيها ترمش وتتحرك في الليل!

كان الطابقان الأول والثاني مخصصان لمحاضرات وسكاشن النحت والرسم، وكنت أمر عليهما مرور الكرام لعدم اضطراري لحضور أي منهما،  ولأنني أيضاً رأيت في جلسات الطلبة بها الكثير من الأحاديث الفارغة التي لا تناسبي المشاركة فيها، حيث كان يتخلل معظمها إطلاق الإشاعات حول الآخرين من الزملاء، لم يكن يعنيني في المبنى إلا الطابق الثالث حيث توجد غرف عزف الموسيقى التي أدرسها.

بت أمكث عدة ساعات طويلة بين حضور المحاضرات صباحا، وحضور محاضرات العزف ليلا مع يونس في الغرف المخصصة لذلك بالطابق الثالث، ولم أكن أشعر بمرور الوقت، فهي في الغالب تكون مدة ساعة واحدة، مخصصة بين الدكتور والدارس فقط،  وكنت قد أحببتها كثيراً، ربما لأن يونس كان عازفا ماهراً بالفطرة، جعلني أكتشف مناطق جديدة بالكمنجة التي اشتريتها منذ فترة وأعزف عليها بشكل دوري منذ سنوات، أما البيانو فكان من الآلات الباهظة الثمن، ولأنني لا أستطيع اقتناءه بالمنزل، كنت أتدرب عليه بشكل مكثف مع يونس، ذات مرة ألحت عليه في طلبه قائلة:

لماذا لا تريدني أن أتدرب على البيانو بمفردي؟ طلبت منك هذه مرات عديدة!

قال وهو ينظم بعض النوت الموسيقية لديه.

أنا لا أعترض على تدريبك بمفردك، أنا أعترض على وجودك ليلا بمفردك يا فريدة.

قلت في ضيق:

أريد أن أعرف السبب؟

قال يونس وهو يزفر أنفاسه في نبرة عصبية يعرف كيف يسيطر عليها.

إذا كنت تثقين بي، أنصتي جيداً.. سأقولها مرة أخيرة، لا يجب أن توجدي ليلا بالمبنى بمفردك.. تحديداً في الطابق الثالث، ليس فقط أنت ولكن هذا ينطبق على أي طالب أو طالبة أخرى، أتمنى ألا تناقشيني في هذا الأمر، سوف نتدرب في أي وقت ولكن يجب ألا تكوني وحيدة.

لم أقتنع لأن كل محاضرات العزف موعدها مسائي، ولأنني أعلم أن الطلبة تمكث بعدها لمزيد من العزف المنفرد، اعتقدت بيني وبين نفسي أنه شديد الخوف على الآلات، أو أنه يريد أن يبدي اهتماما أكثر بي، ظننت أن هذا كل ما في الأمر لكنني أدركت بعدها كم كنت مخطئة! خاصة أنه لم يرد أن يستفيض في شرح أسبابه في البداية مهما حاولت.

أرشدتني حنين داخل الكلية كأنني طالبة بالسنة الأولى أستكشف المكان، هناك نوعان من الطلبة يأتون إلى الكلية، نوع أتى بهم مجموع الثانوية العامة وترتيب ترشيحات مكتب التنسيق، هؤلاء عادة لا يفلحون في كلية كهذه بسهولة، النجاح في هذا المجال مبنى في الأساس على الشغف، وترتيب الدرجات لا يصنع شغفا، ومن ثم فإن هؤلاء الطلبة ينقلون أوراقهم إلى إحدى الكليات أو المعاهد الخاصة سريعاً.

النوع الثاني: يعشق الموسيقى والفن عامة.. لا يدرس الموسيقى بل يعيش فيها وبها ويبعدها، ذلك لأن دراسة الموسيقى تتطلب الكثير من الجهد والتمرين، الطالب يعزف الموسيقى ويؤلفها في نفس الوقت"، لابد أن يكون عاشقا وليس طالبا، اكتشفت أن حنين وحدة من هؤلاء، تتنفس الموسيقى مثلي تماما، وتقربنا أكثر فصرت أرتاح لصحبتها، حينها قررت تأجيل حضوري لبروفات الفرقة وحفلاتها لما بعد فترة الدراسة، فعلمت أنهم بالفعل قد استعانوا بعازفة أخرى، قلت لنفسي "لا بأس.. أعرف تماما ما يجب علي فعله الآن".

ذات يوم كنت أجلس في فناء الكلية، جاءت حنين وأمسكت بيدي مسرعة إلى داخل المبنى وهي تقول..

أنت هنا وأنا ويونس نبحث عنك في كل مكان، هاتفك لا يعمل أم ماذا؟

قلت وأنا أسرع معها..

جعلته صامتا ونسيته..

كان الطلبة يصعدون ويهبطون الدرج ممسكين بأوراق يقرأونها، قالت دون أن تلتفت إلي وهي تصعد بسرعة:

أسرعي يجب أن نختار النوتة الموسيقية الخاصة بحفل التخرج لكل منا، إنها محدودة وغير مكررة، عددها مطابق لعدد الطلبة في الدفعة تماما، نريد أن نلحق بنوتة موسيقية نحبها يا فريدة.

أسرعت معها ودخلنا إحدى غرف العزف الممتلئة بالطلبة، كانت النوتات الموسيقية موضوعة داخل صندوق خشبي، وكان الطلبة يختارون ما يبتغونه ثم يسرعون إلى الخارج، بجانب الصندوق كان يونس واقفا ينظر إلي ويبتسم، ثم غمز بإحدى عينيه وقال مشجعا.

نصيبك ينتظرك فلا تفقديه.

كان ذكيا فلم يلحظ كلامه أحد سواي أنا وحنين، كنت أحس أنه وحنين صديقان مقربان، ابتسمت رغما عني، فقد كان كلامه مزدوج المعنى، أعطتني حنين كومة من النوتات الموسيقية لأختار من بينها، بعض الورق كان متهالكا وبعضه طبع حديثا، جاء يونس ووقف بيني وبين حنين ليساعدنا قائلا..

اختاروا ما يروق لأنفسكم، لا تنظروا إلي سهولته أو صعوبته، فكل صعب يهون طريقه إذا أحببناه وآمنا به.

أعجبني ما قال وأخذت أنظر في النوت، فلم أجد أيا منها تحفزني لأختارها، وضعت كل ما معي في الصندوق مرة أخرى، نظرت إلى يونس كأنني أريد مساعدته فقال متسائلا..

ألم يعجبك شيء؟

أومأت برأسي قائلة:

لا أعرف.. لم يجذبني شيء بعينه.

تحدث يونس إلى حنين وكانت قد اختارت نوتتها الموسيقية بالفعل، بدأت أعداد الطلبة تقل وعدد النوت الموسيقية يقل بالتبعية، إلى أن همت حنين بإعادة ما معها من نوت، فسقطت واحدة منها، أثار فضولي بشدة لون ورقها الأصفر شبه المهترئ الذي يعلن عن قدم طباعتها، أخذتها من على الأرض وأخذت أقلب في صفحاتها باهتمام، فقال يونس وهو ينظر إليها وإلي في تبادل.

هذه نوتة غريبة يا فريدة!

أخذت يونس النوتة بيده وتفحصها برهة ثم قال:

غريب هذا، كأنني أرى هذه النوتة أول مرة!

للمرة الثانية تبسمت رغما عني وقلت في تلقائية:

اسمها جذبني بشدة.

رفعها يونس بيديه عاليا تجاه الضوء كأنه يتفحصها ثم ردد اسمها بصوت عال

النوم الأسود.

ولا أعرف لماذا ارتجف قلبي وقتها بشدة، أحسست أنني أعرفها وأن الاسم مألوف لدى بشدة، سألته  عن المؤلف وتاريخ المقطوعة فرد بغموض شديد..

مجهول، هذا متوقع بالتأكيد..

تابعت قائلة:

تعلم أنني أنا أيضاً يثيرني ويزيد فضولي.

ثم بدت نظراته لها مغزى آخر وهو يقول..

هناك مكان بعيد في قلب كل منا، أكثر نوراً وأكثر شفافية، مكان يجتمع فيه القلب والروح معا، مكان لا يدخله أحد أو شيء بسهولة أحيانا يخترق في هذا المكان رغما عنك.. هذا ما يسمى بالحب، فإذا حدث شيء كهذا لا تقاوميه.. صدقي قلبك وحسب..

نظرت إليه واختلجت مشاعري ولم أعرف أن أصفها لنفسي، شعرت أنه لاحظ هذا، فابتسم ورأيت بريقا جذابا لم أره بعينيه من قبل، أخذ النوتة من يدي يتصفحها وقال..

هناك أثر حريق على أطراف الصفحات.. ثم يبدو أن وعاد يتقلبها بين يديه مرة أخرى وتابع مكملا:

ثم إن عدد صفحاتها يبدو أنه غير مكتمل للنهاية.. هذا غريب!

نظرت إليها في اهتمام أكثر وقلت

لا يهم، أعتقد أن هذه فرص جديدة لي للمزج بين العزف والتأليف، ربما أكمل ما نقص منها بنفسي لو أحببتها، لكني لم ألحظ أثر الحريق، هل تقترح أن أبدلها؟

قال وقد ثبتت عينيه في عيني..

لا تتركي أي شيء إذا راق لروحك، فلا يوجد شيء في الدنيا كامل بلا عيوب، أن تقبل بما لديك بكل العيوب والمميزات وتفرحي به، أو لا تقبلي بشيء البتة، القرار لك.

اختلسنا لحظات ممن حولنا في عالم آخر، جاءت حنين تنظر إلينا وابتسمت في خبث وقالت..

هل اخترت شيئاً أخيراً؟

رددت بشرود:

نعم، النوم الأسود.

وكنت شاردة في النوتة وفي نظرات يونس في نفس الوقت، وشعرت أن عيني حنين مثبتتان علي، فتحرجت منها ومنه ما كان لي أن أفعل، إذ اعتقدت أن مشاعري الحقيقية قد فضحتني للتو، ولم أستطع كبح لجامها، فاستأذنتهم في ارتباك:

عذراً.. يجب أن أذهب الآن..

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا