أصرخ.. لا أحد يسمعك "رواية" سعد عايد البدر

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2026-10-16

طوال الطريق إلمنزلنا الجديد في "جليب الشيوخ" كانت نوال تتأفف، حتى إنها ضايقت أمي التي كانت تطالبها بالهدوء فتردُّ عليها:  

- وهل التنفس ممنوع أيضاً؟! ليس لي قرار هنا ولا وجود

نظرت إليها أمي نظرةً مليئةً بالغضب، والشرر يتطاير من عينيها، تطلب منها الصمت مجدداً: "هذا آخر إنذار لك يا بنت!"

أما أنا فكنت أنظر إلى الطريق وأحاول تذكُّر إن نسيت شيئاً في بيتنا، متسائلاً بأي حق يتخذُ أبي مثل تلك القرارات؟! حتى وإن تورَّط مالياً فلديه الكثير من الأصدقاء القادرين على سدِّ الدَّين والوقوف إلى جانبه. كيف يقرر فجأة ودون سابق إنذار أن يقتلعَنا من منزلنا الذي عشنا فيه طفولتنا وأجمل أيامنا، لينقلنا إلى مكان لم نزره قط، ولم نرَه إلا في صفحات الجرائد التي كانت تنتقد مياه المجاري المنتشرة في شوارعه.

كان أبي يقود السيارة ببطء. لم نعتده هكذا؛ كان كالجماد، ينظر إلى الأمام، لا يحرك أي جزء من جسده، ولولا الحركة البسيطة ليده التي تمسك المقود لشككت إن كان واعياً أو ربما فقد الوعي.

بعد تصف ساعة تقريباً كنا أمام منزلنا الجديد القديم، بيتٌ في آخر المنطقة بين عدة منازل هجرها أصحابها، فكانت مأوى لبعض المتشردين الذين يسكنون فيها، وينشرون ملابسهم على الشُّرفات المليئة بالأتربة والأوساخ. تفصل تلك المنازل عن بيتنا مجموعةٌ من الأشجار التي تمكَّن منها العفن، وكانت ترتوي من مياه المجاري المنهمرة بغزارةٍ على جذورها.

كان المنزل أكبر من منزلنا القديم، جدرانه كالحه، تحيطُ به هالةٌ كئيبة تُثير القلق في داخلنا. وعند تقدم خطواتنا نحو البيت تعثرت بإحدى الصخور، كان نذير شؤم بالنسبة لي لكنني حاولت تجاوزه. كان لديَّ فضولٌ لأشاهد وجه نوال وهي تنظر إلى المنزل، وكما توقعت فقد وجدتها تنظر وهي مصدومة، مع امتعاضٍ وعدم رضا واستياء. وبعد ذلك بدأت تردد كلمات الغضب والتأفف.

حتى أمي التي كانت تطالبنا بالصبر كان واضحاً عليها الاشمئزاز، خاصةً بعد أن شمَّت رائحةً سيئة جعلتها تلفُّ حِجابها بطريقة "اللِّثام" لتتفادى الرائحة، ولتأخذ راحتها في النظر "باستحقار" إلى المكان دون أن يشاهدها أبي.

نصحني صديقي يوسف ذات مرة أن أحاول إشعال خيالي إن ذهبت إلى مكان لا يعجبني، حاولت ذلك عبثاً، لكنني تخيلت البيت وكأنه قصر "شرشبيل"، فألوان الجدران متشابهة مع جدرانه. وأنا أحد السنافر الذاهبين خطأً إليه، وفي هذه المرة سيلتهمهم ولن يفلتوا مثل المرات السابقة. ونوال هي "سنفور غضبان". هنا رسمت ابتسامةً على وجهي تعاكس الواقع المر. شكراً يا صديقي يوسف على هذه النصيحة المفيدة بعض الشيء

في أثناء ذلك وجدت رجلاً آسيوياً يراقبنا من بعيد، وجَّهت نظري إليه قبل أن يحرِّك رأسه للأعلى كتحية متعارف عليها عندما لأردَّ عليه أنا بالطريقة نفسها وأحرك رأسي يمنة ويسرة، في محاولةٍ فاشلة لرسم الابتسامة على وجهه، لكنه رمقني بنظرة جافة قبل أن ينظر إلى جهة أخرى. يبدو أننا سنعاني كثيراً هنا

فتح أبي قفل الباب المغلق بإحكام قبل أن يدفعه بقوة، فتساقطت حبات الغبار على رأسه، وردَّد كلمات لم أعتدها منه مثل: "اللعنة!"

أخذت نفساً عميقاً ثم مشيت خلفه برفقة نوال، في حين كانت أمي تنظر بحذر وكأنها تخاف أن يسقط هذا المتول القديم فوق رؤوسنا. كان هناك ضوء بائس يُنير صالة المنزل الممتلئة بأثار قديم لم يُرتَّب جيداً. وعلى الأرض صُحُف قديمة يعود بعضها إلى خمس أو ستِّ سنوات. كانت أمي تُراقب المكان بشجن، تضع يدها على الجدران والأسلاك المتشابكة. يعتصر قلبها حزن قد لا نعرف سرَّه جيداً، ربما كان لها ذكريات هنا ولم تخبرنا بها، أو انهالت عليها ذكريات منزلنا القديم ومطبخها الذي صمّمته ورَّممته مراتٍ عدة.

قاطعت نوال اندماج أمي قائلة:

- أرى في هذا المكان شؤماً كبيراً قادماً الينا لا محالة.

- سلبية جداً

ردَّت عليها أمي بذلك قبل أن تكمل نوال قائلة:

- لا! ليس للأمر علاقة برغبتي في مغادرته، لكن منذ دخولي هنا شعرت أن شيئاً قبض صدري حتى جعلني عاجزةً عن التنفس.

لم تبالِ أمي بما قالته، وبقيت تتأمل الأوساخ المتناثرة في المكان. أما أنا فرغم الكآبة التي غطت المكان بدأت تُحاصرني تساؤلات كثيرة حول هذا المكان؛ ما قصته؟ ولماذا لم يحكِ لنا أبي عنه من قبل؟ هل سيكون على نقيض ما نتوقع، أو مثلما قالت نوال.. نذير شؤم؟

- علينا أن ننّظِف هذا المكان

قال أبي ذلك وهو يُزيل بعض الأغطية عن الأثاث في منتصف الصالة، فردت عليه أمي قائلةً:

- لا نستطيع وحدنا، يجب أن نستعين بإحدى شركات التنظيف.

- لن يدخل أحد هذا المكان.

كان باب القبو مقفلاً بإحكام. لم يكن أبي معنا في البداية فقد كان مشغولاً في البحث عن مفاتيح غرفتين لم يجدهما في جيبه قبل أن ينتبه بعد ذلك إلى وجودنا بالقرب من القبو.

- لا، هذا المكان لن نقترب منه؛ في داخله أثاث من كانوا يقطنون في هذا المنزل قديماً. لقد تحدثت مع أحد أقاربهم وأخبرني أنهم سيأتون قريباً لأخذ حاجياتهم.

كان هادئاً هذه المرة ومتوتراً بعض الشيء. لم يكن أبي بتلك الغرابة من قبل، لكن مثلما قلت سابقاً يبدو أن الأحداث التي مرت عليه مؤخراً لم تكن عادية قط

توجهنا إلى الصالة للبدء بعملية التنظيف التي استمرت طويلاً، لم يتحدَّث أحدنا إلى الآخر، كنا منهمكين فعلاً في محاولة لإظهار البيت بصورة "جيدة" ربما نستطيع من خلالها تقبُّل فكرة البقاء هنا.

مضت ساعات ولم ننتهِ، لكن استطعنا تجهيز ثلاث غرف حتى نستطيع النوم فيها. اختارت نوال غرفةً قريبة من غرفة أمي، وكأنها تستذكر أيام الطفولة والخوف الذي كانت تعيشه في منتصف الليل من فكرة وجود أشباح معلَّقين بالسقف. أما أنا فلم أهتم، ليس بشجاعة مني، ولكن لقناعتي بأن السوء قد يلحق بك حتى وإن كنت في حضن أبيك أو أمك، فالخير المكتوب لك سيصل إليك، والشر المكتوب عليك سيصل إليك.

ذهبنا للنوم، ربما كنت أول مَنْ نام؛ لأنني لم أنم جيداً في اليوم السابق، لا أعرف من أين اكتسبت هذا الهدوء والقدرة على تقبُّل أي مكان جديد. لم يكن ذلك من عاداتي فقد كنت في السفر أعاني كثيراً من النوم في سريرٍ غير سريري، مع أنني كنت أحجز في أفخم الفنادق العالمية، لكن هناك سرٌّ في سريري لم أعرفه حتى يومناً هذا

هنا استطعت النوم.. وهذا أمر جيد للغاية

استيقظت في السادسة صباحاً. وخرجت أتمشى قليلاً إلى أن يستيقظ الآخرون، أمسكت بهاتفي ووجدت صديقي يوسف وقد وضع شِعراً في حالة "الواتس أب"، لم أفهم منه أي شيء. تحدَّثت معه عن سبب استيقاظه، فردَّ أنه لجأ للنوم المبكر بسبب الملل، إذا لم يكن لديه شيء ليفعله. أرسلت إليه الموقع وطلبت منه المجيء إلينا، وبعد نصف ساعة كانت سيارة يوسف تسير بهدوء وسط المنطقة، يبدو أن صديقي لم يزر تلك المنطقة أبداً، ركن سيارته وسألني:

- أأبوك هارب من جريمة أم تعرض للسقوط على رأسه مؤخراً؟ هل هذا مكان مناسب للسكن

- يا صديقي.. لم تجرب زيارة منزلنا، فاتتك أشياء كثيرة.

أخبرت يوسف بما حدث يوم أمس. لم يستوقفه شيءٌ غير القبو

- مقفل منذ سنوات طويلة! وهناك رائحة سيئة! ربما هناك جثة أو سرٌّ مدفون! لماذا لا يُثير فضولك هذا الشيء

- ولماذا تُثير فكرة العثور على جثة فضولي؟ لست بحاجة إلى ما يزيدي كرهي للمكان.

- لا تكرهه، ولكن كل ما ذكرته ينبئ بأن هناك شيئاً لا يعلمه إلا والدك

- ولماذا تريدني أن أعلمه

ردَّ يوسف بغضبٍ

- أليس لديك؟!.. أو حبُّ استطلاع واستكشاف؟!.. لماذا لا تفكر في أن تعيش مغامرة؟! التجارب هي من تصنع شخصية الإنسان وليس اللامبالاة والعيش بهدوء.

لم أردَّ عليه. طلبت منه أن نذهب بعيداً عن تلك المنطقة لنشرب القهوة في أي مكان هادئ. ورُحنا نتجاذب أطراف الحديث إلى أن حان وقت الغداء، فطلبت منه العودة إلى المنزل، وقبل وصولنا قال يوسف:

- عليك اكتشاف المكان. إن لم تجد فيه أمراً يستحق فلا تخبرني؛ لأنني سأشعر بالحزن، لكن إن وجدت ضروري مهماً فأبلغني فوراً كي أعيش معك تلك المغامرة.

وافقت على طلبه دون وعود، لأنني لم أتخذ القرار بعد.

دخلت إلى المنزل، فكانت أمي ونوال تستكملان التنظيف، وكان أبي غائباً عن المكان، رمقتني نوال بنظرة غاضبة وقالت:

- تحاول التنصل يا هذا من تنظيف المنزل!! أنت أنانيٌّ ومدلل جداً

- هدوووووء

قالت أمي ذلك قبل أن تتحدث إلىَّ:

- اذهب إلى المطبخ، ستجد غداءك هناك. بعد انتهائك من الطعام عد لمساعدتنا؛ ينتظرنا عمل طويل.

- وأبي إلى أين ذهب

- لا أعلم استيقظت ولم أجده، تسلل بخفة من الغرفة على غير عادته

- حسناً.

ذهبت إلى المطبخ الذي لم يُنظف جيداً؛ إذ توجد بعض العناكب التي تتراقص في زواياه. تذكرت المقولة التي تقول: "ماذا لو كان العنكبوت الذي قتلته في غرفتك، يظن طوال حياته أنك رفيقه في السكن؟!"َ حسناً! الأمر يختلف هنا، فنحن في ضيافة العناكب، ولا أعتقد أنه مُرحب بنا لنكون رفقاء في السكن، خاصةً بعد التنظيف العنيف الذي قامت به أمي واستخدمت فيه كل الأنواع الكيميائية والطبيعية من أجل التنظيف.

في أثناء تناولي الطعام، شممت الرائحة السيئة، لكنها في هذه المرة كانت أقوى، حتى إنني بدأت التنفس من فمي كي أتفاداها، لكن سُرعان ما عدت للاستسلام وتقبُّل وجودها. لكن لماذا ازدادت الآن؟ بدأ عقلي يتلاعب بالأفكار حول فكرة وجود جثة مدفونة في القبو، ربما إن عثرت عليها سيضطر أبي للبحث عن سكن آخر، وإن لم أجد شيئاً فسأخبر يوسف أن تكهُّناته خاطئة، وعليه أن يخفف من حجم خياله الجامح الذي لا يقود إلا إلى المواقف المحرجة والمتعبة أيضاً. قطعت حبل أفكاري نوال التي دخلت المكان بكل هدوء لتسحب الكرسيَّ وتجلس بجانبي، كانت عيناها مليئتين بالخوف.

- ما بك؟ ماذا حدث

- أبي

- أبي! ماذا حصل

- لم يحصل شيء. كان شكله غريباً بعض الشيء.

- ماذا تقصدين

- خرج علينا فجأة من إحدى الغرف، مما أثار ذعرنا؛ شكله غير مرتب، وهناك بعض الغبار على قميصه الأسود، كذلك شعره كان مليئاً بالأوساخ. سألته أمي عما حصل معه فأخبرها أنه تعثَّر عند باب المنزل. لكن متى وكيف دخل إلى هنا؟ ولماذا لم نسمع صوته؟

- لأنك مشغولة بالكلام والاستياء.

قلت ذلك وأنا أضحك. ردت بجدية:

- الأمر غير قابل للمزاح، أمي أيضاً شعرت بالخوف. اذهب وانظر إليها. أعلم أنها لن تخبرك وستقول إن نوال تبالغ، كي نتجاوز الأمر.. لكن أبي!!.. هناك شيء غريب

كان حديث نوال مرعباً ومشجعاً في الوقت نفسه للتفكير ملياً في فكرة اقتحام القبو ومعرفة ما يدور حوله من أسرار، لكن لن أُقدِم على تلك الخطوة إلا حينما تكون الأجواء مناسبة.

أخيراً اكتمل تنظيف المنزل في ساعات الليل. ذهبنا جميعاً إلى النوم متعبين دون أن نتناول وجبة العشاء. لم تُعِد أمي الوجبة ولم تطلب من نوال ذلك بسبب ما بذلته من مجهود في التنظيف.

كنت أغط في نوم عميق قبل أن أستيقظ على صوت غريب، ربما حجر ضرب النافذة. كان الأمر مخيفاً بعض الشيء، حاولت العودة للنوم لكنني شعرت بحاجة للذهاب إلى الحمام. كان بعيداً نوعاً ما عن غرفتي، مشيت مستخدماً إضاءة الهاتف حتى وصلت إليه. بقيت هناك خمس دقائق. السكون في هذا المكان غريب بعض الشيء؛ تلك الإضاءة الخافتة وبعض الأسلاك التي تُشكَّل أمامك أشكالاً تظن أنها مرسومة بعناية. حاولت تفادي النظر إليها والتركيز على هاتفي. كنت أتصفح برنامج "أنستاغرام" إلى إن وصلت إلى أغنية تخطيتها فوراً خوفاً من فكرة "لعنة الأغاني" في مثل هذه الأماكن. وفجأة ظهر أمامي شخص يتحدث عن "الغرائبيَّات"؛ كان يحكي عن قصة "أحجار أولورو" الموجودة في وسط أستراليا، كان السياح يزورون ذلك المكان، وبدافع الفضول يسرق بعضهم شيئاً من تلك الأحجار، لكن بعد مرور فترة من الزمن يعيدونها إلى مكانها بأنفسهم أو عن طريق أي شخص ذاهب إلى هناك. وعند سؤالهم عن السبب اتفقوا جميعهم أن هناك مرضاً عُضال أصابهم، أو سوء حظ غريب؛ لذلك لم يتجرأ أحد بعد ذلك على سرقة تلك الأحجار.. لقد زار أبي أستراليا منذ سنوات، ويبدو لي أنه فكر في سرقة تلك الأحجار، سأخبره أن يعيدها حتى يعود إليه حظه. قلت ذلك مازحاً.

فتحات باب الحمام كي أعود إلى غرفتي لكنني سمعت صوتاً غريباً؛ كأن أحدهم يطرق الباب بحذر. حاولت تقصى مصدر الصوت، كان من الأسفل، فنزلت بحذر شديد، تأكدت أن الصوت قادم من القبو. يا إلهي! يبدو أن هناك أشباحاً تسكن المكان! سأنظر من بعيد فقط، لن أتجرأ على دخول المكان.

اقتربت أكثر، وجَّهت إضاءة الهاتف إلى باب القبو. كان هناك رجل جالس ينظر في فتحة القبو، يرتدى ملابس غريبة، كنت مستعداً للهرب قبل أن يوجه عينيه الحمراوين نحوي، ويتحدث بشفتين جافتين، منادياً بصوتٍ عالٍ:

- ألم أخبرك ألا تأتِ إلى هنا

كان ذلك الشخص.. أب

ي؟     !  !؟ ؟.؟   .؟  !!     :؟. ؟. ؟ !!  !     .!  !   .!!     .!

 

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا