عملية جراحية
للكاتب الروسي الكبير: أنطوان تشيكوف Anton ّچهِكىلاة
(1860 - 1904)
ةة مستشفى (أزيمستفو),َ في ظل غياب الطبيب الرئيس الذي كان في إجازة لإكمال نصف دينه كان في استقبال المرضى - نيابة عنه - مساعده (كرياتين), وهو رجل ضخم الجثة عظيم الهيئة في الأربعين من عمره ... بوجه تلوح عليه علامات الود والأنس والإحساس بالمسؤولية.
كان يرتدي معطفاً رثاً بلون الحرير الطبيعي، وبنطالاً منتسل الخيوط، فيما يحمل بين الوسطى والسبابة سيجاراً يظل يبعث رائحة نتنه.
ويدلف إلى غرفة الانتظار القندلفت (فونميغلاسوف) وهو رجل طويل القامة ... قوي البنية ضخم يدق الأرض إذا مشى فتهتز لوقعه أرجاؤها، وكان يرتدي ردا بنياً يتوسطه حزام جلدي عريض. وكانت عينه اليمنى مصابة بإعتام العدسة فهي نصف مغلقة على الدوام، أما أنفه فيتوسطه ثؤلول كبير يبدو عليه البعد للرائي كما لو كان ذباباً ضخماً، ويدخل فيحي السيد (فلدشر),َ
- مرحباً - يرد الأخير عليه متثائباً - ما الذي أتى بك إلى هنا؟
- جلست بالأمس أحتسى مع زوجتي شراباً ... فما استطعت أن أشرب قطرة واحدة - يا إلهي - كنت على وشك الانتقال إلى الدار الأخرى. ألم الضرس كان لا يطاق ... ولم يكن وحده مصدر الألم إذ إن كامل جهة الوجه كان ينبض بأوجاع ممضة لا أراها الله حبيباً، تظل تنخر أذني كما لو أن مسماراً صغيراً قد علق هناك كانت آلاماً قاتلة ... لا ريب وأن ما ألاقيه هو جزاء ما قدمت في حياتي من أوزار وما اجترحت من سيئات. لقد لامني الأب بعد آخر عيد وقال لي: "أنت تتمتم يا (يفيم) وتخرج الكلام من أنفك! وتنشد فلا يفقه القوم مما تقول شيئاً!
وكنت أنشد وأنا لا أستطيع فتح فمي؟ قل لي بالله عليك إنه منتفخ موجع ... ما ذقت للنوم طعماً.
- آ ... حسناً - قال المساعد (كرياتين) - اجلس وافتح فمك!
ويؤدي (فونميغلاسوف) ما طلب منه فيعقد مساعد الطبيب حاجبيه ويشرع في معاينة الوضع. من بين الأسنان التي اصفرت بفعل الزمن والتبغ يكتشف واحداً تتوسطه حفرة قفزت في تحد فوهتها الهائلة.
- "لقد نصحني الأب (ديكون) بأن أضع عليه مزيجاً من (القرنفل) والفجل الحار، على أن ذلك لم يأت بنتيجة فعالة. كما أعطتني (غليكيريا انيسيموفنا).
- حفظها لله من كل مكروه - خيطاً من جبل (آثوس) ونصحتني بأن اتمضمض بحليب دافئ. لقد علقت الخيط أما الحليب فصرفا النظر عنه، أنا رجل صائم أخاف الله؟
- محض خرافات! - قال مساعد الطبيب - وتمهل قليلاً قبل أن يقول: يتحتم قلع الضرس!
- تفوقنا في هذه المسائل علماً والأمر لك - لقد دربت على ذلك كيما تلك بحيثيات المهنة وتفاصيلها فتقرر ما إذا كان ينبغي قلع الضرس أو مداواته ... أنتم هنا لتخفيف آلامنا ... حباكم الباري بأردية الصحة والعافية كيما نظل ندعو لكم حتى تغيبنا ظلمات اللحود.
- بالغت في الإطراء! قال المساعد (كرياتين) في تواضع قبل أن يتجه إلى خزانة مستلزمات الجراحة ليعد للأمر عدته فيقول:
- ليست الجراحة أمراً ذا بال ... المسألة لا تتطلب غير يد قوية ثابتة وسحب السن في مدة لا تتجاوز الزمن الذي تعطس فيه.
جاءني قبل أيام الوجيه المعروف (الإسكندر يغيبتسكي) مشتكياً من ألم ممض في أحد أسنانه كذلك. إنه رجل مثقف وهو لا يكف عن طرح الأسئلة ... يريد أن يعرف طبيعة الأشياء وخلفياتها طراً ذكي ألمعي لماح. لقد صافحني بحرارة وناداني باسمي الكامل. لقد عاش في (بيترزبرغ) سبع سنوات وعايش أساتذتها بكل ألفة.
لقد أمضيت معه وقتاً طويلاً و... وقاطعه المسكين في ألم:
- ناشدتك الله إلا خلعته!
- ولم لا؟ على أن ينبغي الإلمام بالوضع أولاً ... بطبيعة الخلل ...ونوع الحالة، بدون ذلك كله يغدو الأمر مستحيلاً ... هناك سن وسن بعضها يتطلب الاستعانة بالكلاب العادي وبعضها الآخر تدعو الحاجة فيه إلى استخدام كلاب الأضراس، وهناك نوع ثالث يتطلب استخدام المفتاح!
ويلتقط مساعد الطبيب كلاب الأضراس فيتأمله بشك لحظة ثم يتناول العادي:
- حسناً سيدي افتح فمك - قال له محاذياً إياه بكلابه - لسوف نقتلعه بأسرع مما تبصق، ينبغي على أن أفتح اللثة قليلاً وأن أجعل القوة الذراعية على المحور الرأسي! هذا كل ما هنالك. أردف بعد أن فتح اللثة المغلفة للضرس الآبق.
- لقد بعثكم الله أيها المحسنون رحمة لنا ونوراً ... نحن الجهلة المساكين قال المريض.
- حسناً لا تكثر من الحديث فقط لأن فمك مفتوح يا رجل - سيسهل خلعه ... هناك أسنان متعبة لا تخرج بسرعة لأنها ليست سوى جذور غائرة يصعب الوصول إليها ... أما هذا فسوف ينخلع بأسرع مما ... ويضع الكلاب جانباً - لا تتململ! ابق ثابتاً ... قبل أن يرتد إليك بصرك أكون قد انتزعته! ويتناول آلته ثم يتابع: المهم في الأمر تمكن اليد من أسفل الضرس ... تحكمها في قاعدة الجذر كيما لا ينكسر التاج!.
- يا رب السموات والأرض - صرخ المريض في ألم - أوووووووووووه.
- لا تفعل ذلك! توقف عن سحب يدي ... دعها قلت لك - صاح المساعد قبل أن يستأنف عمله "خلال دقيقة أكون قد ... تدرك لا شك صعوبة العملية".
- يا إلهي ... رحماك يا مجير ... أوووه .... ما بك؟ اقلعه! لماذا يستغرقك الأمر خمس سنوات؟
- هي مسألة تتعلق بماهية العملية الجراحية - يصعب إنهاء ذلك على الفور ... والآن ...
وتصل ركبتا (فونميغلاسوف) إلى مرفقيه فيما تبرز عيناه وتتشنج أصابعه أما أنفاسه فمتهدجة يقطعها الألم، فهي زفرات زفرات وتتناثر حبات العرق على وجهه الأحمر المذعور، المنتفخ الأوداج ... ثم تغرق بالدموع عيناه!
وتتردد أنفاس المعالج ثقيلة عالية كنذير شؤم، مناوباً ثقله على قدميه، فهو يتأرجح ذات اليمين وذات الشمال، ثم إذا به يسحب الضرس فجأة ... وتمر نصف دقيقة ملؤها العذاب والعناء فينزلق الكلاب عن الضرس، ويقفز المريض كالمدوغ ليتحسس موضع الألم، على أنه يفاجأ به راسخاً كطود شامخ! ويصرخ معولاً كالنائحات الثكالي:
- لكنك سحبته، وتضمخ لوعة الشجن في نبراته لهجة ساخرة: عسى أن يسحبوك في دار المقام بذات الطريقة! قال داعياً عليه ... أشكرك من صميم قلبي! - تابع هازئاً - إن لم تكن ممن يجيدون القلع فلم تقحم فيه نفسك ... لقد أريتني نجوم الظهيرة.
- وأنت! لم أمسكت بيدي؟ قال المعالج في ثورة جامحة - في الوقت الذي كنت أسحب ضرسك المشؤوم كانت يدك تدفع يدي بعنف. يا أيها الأحمق.
- بل إنه ما من أحمق سواك!
- أتعتقد أيها الفلاح أنه من السهولة بمكان اقتلاع ضرس عنيد؟
جرب ذلك يوماً ... إن لم تكن ممن يجيدون القلع ... إن لم تكن ممن يجيدون القلع - قلده بسخرية - خرج إذاً علينا خبير لا يشق له غبار! خيركم من عرف قدر نفسه ... عندما قلعت ضرس (الإسكندر إيفانيتش) ما قال شيئاً ... ما نبس ببنت شفة ... إنه أفضل منك ... لم يمسك - مثلك - بيدي - اجلس ... اجلس قلت لك - صاح به -!
- لا زالت النجوم تتلألأ أمام عيني ... دعني التقط أنفاسي ... آه ...
- ويجلس المسكين - لا تتلكأ في سحبه ... اقتلعه دفعة واحدة!
- علم جدتك كيف تمص بيضة - يا إلهي - ما أسرع ما يخرجنا جهل البعض عن طورنا ... افتح فمك. قال ذلك قبل أن يدخل الكلاب فيه فيتابع - ليست العمليات الجراحية لعبة يا أخي! إنها ليست بسهولة انفراج الفم عن بعض الترانيم - وتمتد يده إلى إحدى المعدات - لا تتحرك، يبدو أن الضرس قد ترك مدة طويلة دون عناية ... الجذور موغلة في العمق ... لا تتحرك ... حسناً ... - وتسمع فجأة أصوات تكسر شيء ما - فيتمتم المعالج - كنت أعلم - والله - ذلك!.
ولوهلة ... يتصلب (فونميغلاسوف) في مكانه كالتمثال ... كمن شل الخدر أطرافه ... بدا مصعوقاً ... مشدوداً وهو يحملق في أعماق اللاشيء كجسد يتأمل روحاً فارقته إلى بارئها ... كان العرق يغرق وجهه الشاحب.
- ربما كان على استخدام كلاب الأضراس - تمتم المعالج - يا للفوضى.
ويعود المريض إلى ذاته ... يستعيد وعيه الحسي، فيولج أصابعه في فمه لتصطدم بهرمين حادين أحدثهما الكسر الذي شطر الضرس المنكوب ويصرخ غاضباً:
- أيها الشرير الأجرب ... لقد جعلت على الأرض لتجلب لنا الويل والثبور ... يا بؤرة الهلاك أنت يا ...
- حسناً ... امض في إمطاري بوابل شتائمك - رد المعالج واضعاً أدوات القلع في الخزانة ومتابعاً ... يا أيها الجهول ... ما نلت من التعليم ما يؤهلك لسبر غور الحقائق! لقد عاش (الإسكندر إيفانيتش) سبع سنوات في (بيترزبرغ) ... إنه رجل مثقف، إنه يشتري المعطف الواحد بمائة روبل ... لكنه لا يعرف السباب مثلك ... أيها الطاووسة الحمقاء ... لكن ... هون عليك ... لن تموت".
وينهض المعتل المسكين من مكانه فيلتقط رغيفه ثم يمضى خارجاً لا يلوي على شيء ويده ... مطبقة على خده ... لما تزل!
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا