العاشق القاتل
ارتبط أحمد بعلاقة عاطفية بابنة الجيران واستمرت علاقتهما الغرامية حتى تخرجهما من الجامعة..
وكانت والدتها على علم ودراية بهذه العلاقة بل كانت تباركها وفي بعض الأحيان تخرج معهما لتناول الطعام في المطاعم.
وعند تخرجه من الجامعة والتحاقه بالعمل في إحدى الوزارات تقدم طالباً الاقتران بها.. إلا أن والدها طلب منه طلباً غريباً، بأن يحضر له ورقة من إمام المسجد القريب من منزله يؤكد فيها بأنه يؤدي صلاة الفجر في المسجد.
واضطر أحمد بالتوجه إلى المسجد في كل يوم لأداء صلاة الفجر في المسجد.. وعندما طلب شهادة من إمام المسجد تثبت أنه يؤدي صلاة الفجر في المسجد، استغرب الأخير هذا الطلب ورفض منحه الشهادة.
وكان آخر أمل له هو محاولة إقناع أمها بالتوسط لدى زوجها، فاتصل بها هاتفياً يرجوها ويستعطفها وقبل أن يواصل حديثه معها قاطعته قائلة: "لقد كاد زوجي أن يُطلقني بسببك، وكادت أسرتنا أن تنهار.. أرجوك أترك ابنتي ولا تتصل بها".. وما لبثت أن أغلقت الهاتف بوجهه.
وبعد أن أعيته السبل وضاقت أمامه الطرق، طلب منها الهروب معه والزواج خارج البلاد لوضع والدها أمام الأمر الواقع، إلا أنها اعترضت على فكرته وأبلغته بأن والدها يعاني من العديد من الأمراض المزمنة كالضغط والسكري وأنها قد تقضي عليه إن نفذت خطته، وفي الوقت ذاته حاولت طمأنته بأن مشاعرها تجاهه لم تتغير ولن تتغير وستبقى معه طوال الحياة، وسيأتي اليوم الذي يرضخ فيه والدها لمطلبهما.
واقتنع أحمد بتبريراتها وطالبها بأن تظل دوماً على العهد باقيةً، وألا تنجرف تحت الترغيب والترهيب، وسيؤمن هو مستقبله في وظيفة لائقة وراتب جيد مما يساعده على تأسيس بيت الزوجية. خصوصاً بأنه من أسرة متواضعة مقارنة بأسرتها التي تعتبر ميسورة الحال.
ومرت الأيام متسارعة، ولم تعد تقابله كالسابق، وكلما سألها عن الأسباب أبلغته بأنها لا تريد إثارة غضب والدها الذي يراقبها ليلاً ونهاراً وبات يشك بأنها لا تزال على علاقة به.
و؛لخوفه من أن ينهار ما تبقى له من أمل أبلغها بأنه على استعداد بالاكتفاء بالتحدث معها عبر الهاتف إلى أن يجد حلاً.. فأجابته بأن ذلك هو عين الصواب، ومع مرور الأيام شعر بأنها لم تعد كما كانت في السابق، فقد أخذت تتظاهر بالنوم المبكر وتكتفي بإرسال رسالة قصيرة من هاتفها تسأله عن أحواله وتختمها بعبارة "تصبح على خير" وكأنها تبلغه مسبقاً بعدم الاتصال بها.
ولجأ أحمد إلى مكتب محاماة طالباً الاستشارة لمشكلته.. وبعد أن شرح قصته ومعاناته، كانت الإجابة: "عندما وجدت قلبك يميل إليها كان من المفترض أن تكون خطوتك الأولى هي التقدم لطلب الزواج منها لتتأكد من قبولك من عدمه، وحتى تكون عندك فرصة لإيجاد الحلول، لكنك أخطأت عندما وسعت العلاقة معها لسنوات ثم فوجئت برد والدها الذي كان متوقعاً، لأنه شعر بنوع من الإهانة والتجاوز على أسرته، عندما علم أنك على علاقة عاطفية معها لسنوات، ومن ثم ليس أمامك سوى الدعاء، وتكرار المحاولات فربما يشعر والدها بجديتك في طلب يدها. مع ضرورة تحسين وضعك الوظيفي والمادي، كذلك الاستعانة ببعض الوجهاء والمؤثرين ومنهم إمام المسجد في منطقة والدها، للتوسط لديه حتى يقتنع بحسن أخلاقك. كذلك يجب أن يكون للفتاة دور في إقناع والدها، من خلال أقاربها كأجدادها وأعمامها، وإذا فشلت جميع هذه المحاولات وشعرت بأن الفتاة ستقف معك وتتحمل الضغوطات فستكون آخر الحلول اللجوء إلى المحكمة، حيث لن يكون أمامك سوى رفع دعوى قضائية "عضل" أمام المحاكم، وسيستدعي القاضي والدها ويسأله عن أسباب رفضه فإذا وجدها غير مقنعة واقتنع بحسن أخلاقك وقدرتك المادية فسوف يزوجك الفتاة دون موافقة والدها.. وبعد زواجكما ومع مرور الوقت ستعود المياه إلى مجاريها، أما إذا رفضت الفتاة اللجوء إلى المحكمة فلن يكون أمامك سوى تركها، فهي ليست من نصيبك وسيعوضك الله سبحانه وتعالى بأفضل منها، وستكون هي مع مرور الوقت مجرد ذكرى".
ولم يفقد أحمد الأمل وأرسل لوالدها بعض وجهاء الناس والشخصيات المعروفة، محاولاً التأكيد بأنه صاحب دين وخلق، ولم يرتكب طوال حياته أي مخالفة مرورية إلا أنه فوجئ بوالدها يرفضه رفضاً قاطعاً بسبب سوء سلوك والده صاحب السوابق في تعاطي المخدرات، وقال له: "والدك صاحب سوابق ومدمن مخدرات وسمعته سيئة في أوساط الناس، فماذا عساني أن أقول للناس عن أب زوج ابنتي".
وحاول أحمد التأكيد بأنه لا ذنب له بإدمان والده على المخدرات وسوء أخلاقه.. لكنه في كل مرة كان يتلقى ذات الإجابة بالرفض القاطع.
ورغم حزن أحمد إلا أنه لم يفقد الأمل بتحقيق حلمه الذي انتظره لسنوات.
ومرت الأيام وأحمد في حيرة من أمره إلى أن جاءه صديقه وهمس في أذنه بالسر الغامض. وأبلغه بأن شاباً ثرياً تقدم لخطبتها وأن والدها قد قبل الخطوبة.
وذُهل أحمد عند سماعه هذا الخبر، واتصل بها على الفور وسألها عن صدق ما تنامى إلى مسامعه فأنكرت الأمر جملةً وتفصيلاً.
ويوماً بعد يوم أخذت تبتعد عنه ولم تعد ترد على رسائله إلا نادراً، وظل يقلب الأمور إلى أن أضناه التفكير فاتصل بها إلا أنه وجد هاتفها مغلقاً كالعادة، وتيقن أن لديها هاتفاً آخراً.. وواصل إرسال الرسائل طالباً منها بأن تجيبه برسالة واحدة تصارحه حول حقيقة الأمر لتريحه، لكنه لم يتلق أي رد، فسارع بالاتصال بوالدتها التي كانت دائماً تقول له إن لديها ثلاثة أولاد وهو الرابع، وسألها عن صحة ما سمعه، فردت عليه بفظاظة بأنه تم عقد قران ابنتها، وطلبت منه عدم التعرض لها مجدداً، ومن الأفضل عدم إثارة المشاكل في الوقت الراهن لأن ابنتها تستعد للزفاف وفي حال إثارة المشاكل فقد يضطر والدها إلى شكايته في المخفر.
وما إن سمع أحمد كلمة زفاف وزواج، حتى جن جنونه، وشعر وكأن الدنيا قد أغلقت أبوابها عليه، واعتكف في غرفته لعدة أيام إلى أن ساءت حالته الصحية وتم نقله إلى المستشفى.. وبعد ثلاثة أيام تحسنت حالته وخرج من المستشفى، ثم أخذته والدته إلى العمرة لعل المناسك الدينية والاقتراب من الله أكثر تريح قلبه بعد أن تدهورت حالته النفسية ولم يعد حتى يرغب في تناول الطعام.
وبعد شعوره بفقدان الأمل كمن بجانب بيتها، وما إن شاهدها تخرج بسيارتها حتى لحق بها واستوقفها عنوةً، وكانت حالته يُرثى لها، وقبل أن يلقي عليها التحية طلبت منه بعصبية وخوف بالابتعاد عن طريقها حتى لا يسبب لها الفضائح وهي على أبواب الزواج، فصرخ بوجهها "أي زواج هذا، وأي رجل هذا الذي فضلتيه عليّ"؟ فأجابته باختصار: "أنت تعرف مكانتك عندي، وتعرف أنني لم أفضل أحداً عليك، لكن القرار ليس بيدي ولو كان بيدي لكنت زوجاً لي، أرجوك سامحني إن كنت قد سببت لك العذاب، لكنك لا تريد أن تعيش الواقع وهذه مشكلتك".. فأجابها: "هذه ليست مشكلتي بل مشكلتنا معاً". فقالت له: "بالنسبة للقرض الذي اقترضته لك أرجو أن تعتبره هدية مني لك، ولن أطالبك بأقساطه".. ثم فوجئ بها تنطلق بسيارتها تاركة إياه واقفاً ومذهولاً على قارعة الطريق وفي حيرة من أمره.
وعندما سدت الأبواب بوجهه، وعلم بموعد الزفاف قرر منعه حتى لو كلفه ذلك حياته. وفي ليلة زفافها أخذ مسدسه واستقل سيارته مُسرعاً إلى منزل أهلها حيث يُقام الفرح العائلي هناك، وكان الليل قد أرخى سدوله على الشارع، ودخل منزلها في حالة يرثى لها فاقداً عقله وتركيزه، وما إن اقترب حتى أخرج مسدسه وأطلق عليها النار وأرداها مصابة إصابات خطيرة.
وما إن سقطت أرضاً تسبح في دمها حتى هرع إليها كمن يحاول إنقاذها وكأنه لم يكن هو من أطلق النار عليها.. وألقى نفسه بجانبها، ووضع يده تحت رأسها.. ثم نظرت إليه بصعوبة بالغة قبل أن تفقد وعيها.. إلا أن صرخات الحضور دفعته للهروب من المكان، لكنه توجه إلى مخفر الشرطة ليسلم نفسه. حيث تم القبض عليه وزج في السجن.
ولم يستطع الأطباء إسعافها فتوفيت بعد ساعات من وصولها إلى المستشفى.
وعند إحالته إلى النيابة العامة وجهت له تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
وأمام محكمة الجنايات وقف خلف قفص الاتهام، وقد نحل جسده واصفر وجهه، ولم ينطق بكلمة واكتفى بالاعتراف بالجريمة.
وكان ينظر بين الفينة والأخرى إلى أمه التي كانت تجلس في الصفوف الخلفية في قاعة المحكمة وهي تبكي بصوت خافت حتى لا يشعر بها أحداً، لما لا وهو ابنها الوحيد الذي طالما حلمت بأن تراه زوجاً للقتيلة.. فماذا عساها أن تفعل. تبكي على الفتاة البريئة التي أزهقت روحها دون أي ذنب، أم تبكي على مصير ابنها الوحيد الذي ينتظره حبل المشنقة ولا مفر من ذلك.
ولم يكن الدفاع عنه أمام المحكمة بالأمر السهل فالتهمة هي القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ولا عقوبة سوى الإعدام.
وبعد عدة جلسات وسماع مرافعة الدفاع أصدرت المحكمة حكمها بإعدامه شنقاً.. والغريب في الأمر أنه تلقى حكم الإعدام بلا مبالاة.
ويقال إن والدها شعر بحزن شديد وندم كبير على ما فعله.. وأنه لو كان يعلم أن الأمور ستصل إلى هذا الحد لكان احتوى أحمد وزوجه ابنته.. ولكن لم يعد ينفع الندم، والكل خرج خاسراً من هذه القصة المأساوية.. والسبب أب مدمن.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا