أصرخ.. لا أحد يسمعك "رواية" سعد عايد البدر

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2026-02-04

هل ما حدث لي أمر حقيقي؟!

هل عشت حياةً مضطربة وفقدت عقلي؟!

تقودني زوجتي إلى الطبيب النفسي، ربما هي الزيارة العاشرة إلى رابع طبيب، جميعهم كانوا يستمعون إلى قصتي، وهم يهزُّون رؤوسهم قبل أن يتركوني وحيداً على ذلك الكرسي، ويتحدثون مع زوجتي دون أن أعلم شيئاً، وعندما أسألها تقول: 

- يجب أن تأخذ الأدوية التي وصفوها لك، وستتحسن حالتك. 

لن يُحسِّن حالتي شيء. أنا أعرف ذلك. والجلوس مع هذا الطبيب المعروف بخبرته العالية ودرايته الكبيرة لن يغير شيئاً، لكن ربما لديه شيء قد يساعدني على تجاوز ما أنا فيه ويجعلني أؤمن بأنني.. أنا!

قبل دخولنا إلى الطبيب نظرت إلى وجه زوجتي وأخبرتُها أنها الأجمل على الإطلاق، دائماً أراها هكذا. 

ابتسمت والدموع تحاصر عينيها قائلةً: "أنا معك وبجانبك.. لن أتخلى عنك أبداً".

دخلت إلى غرفة الطبيب، كانت الشهادات مُعلَّقةً في كل ركن منها، فتُعطيك انطباعاً أنك تجلس مع آينشتاين الطب النفسي. ربما هي شهادات حصل عليها من كبرى جامعات العالم، ولكن هل ستساعده في فَهم ما حدث لي؟ هذا ما سأعرفه عندما أنتهى من رواية قصتي له. 

كنت أظن أن النسيان سيأتي ويقتلع تلك القصة من عقلي، لكنها ما زالت محفورةً في رأسي، لم أستطع أن أنجو من ذكرياتها. أكبر عقوبة قد تعيشها هي البقاء على قيد الذاكرة. 

كانت تلك أولى كلماتي، وأنا على كرسيِّ الطبيب النفسي "حسن سعد"، والذي طلب مني أن أبوح له بما يضيق به عقلي وصدري. فقال لي الطبيب: 

- حسناً! قد تكون الذكيات عقوبةً، لكن بعضها يبعث السعادة في داخلنا. 

- لا إن عقلي لا يحمل سوى ذكرياتٍ لا أستطيع تحمُّلها وإن أخبرتّك بها فقد لا تصدقني. 

قلت ذلك وأنا أوجِّه إصبعي نحو ذلك الطبيب ذي الوجه الشديد البياض، تزيِّنه نظارة غليظة العدسة، أصلع لا يمتلك أية شعرة حتى في وجهه. 

- لتُخبرني إذاً بتلك الذكريات، ربما سنجد معاً طريقاً للتخلص منها. 

- أنت يا دكتور درست وتعلمت الكثير من الجامعات، لكن الحياة تقدم لك دروساً أكثر دقة، وستُعلِّمك يوماً ما أن النسيان ليس سوى وهمٍ صنعه الإنسان؛ ففي الحقيقة كل الذكريات موجودة لكنها مدفونة تحت رُكام انشغالاتنا في الحياة، وتظهر يوماً إِثر موقفٍ أو حدثٍ يُحييها مجدداً، وهأنذا أمامك. حاولت وحاولت لكن.. سأحكي لك؛ لعلِّي أجد في حيِّز الأحاديث راحةً وأستطيع أن أعيش وبو جزءاً من يومي. أسترجع شريط ما حدث.. أسأل نفسي كيف استطعت أن أعيش إلى اليوم؟ كيف وجدت لنفسي منفذاً لأقنع عقلي بحياتي الحالية؟

بدأت القصة في شتاء يناير عام 2018م، كانت الأمور في منتهى الهدوء في منزلنا بمنطقة القرين، ذلك المنزل الكبير الذي يحوي عدداً من الأدوار والغرف، كان كبيراً علينا نحن عائلة "أبي سالم"؛ كلنا أربعة أشخاص؛ أبي وأمي وأنا وشقيقتي نوال. كانت حياتنا مثاليةً للغاية؛ لا وجود لأية عقبات، فأبي بروفيسور شهير في الطب البشري. نال عدداً من الجوائز الدولية والمحلية. أما أمي فكانت ربَّة منزلٍ ماهرة خاصة في المطبخ، لا تسمح لأحد غيرها أن يدخل "جنتها" حسب وصفها، في حين كانت شقيقتي نوال المراهقة منشغلةً بهاتفها أكثر من أي شيء في الحياة، وغارقةً في حياة التواصل الاجتماعية "الوهمية". أما أنا فكنت شاباً عادياً للغاية، في الصباح أذهب إلى الجامعة، وفي المساء أجلس برفقة أصدقائي في ديوانية منزلنا التي جهّزها أبي من أجلي. 

هكذا كانت حياتنا. لكن أحياناً تأتي أمور لا تحسب لها أي حسبان، أتذكَّر ذلك اليوم جيداً؛ كان يوم الخميس 22 يناير عام 2018م، دخلت إلى المنزل فوجدت أبي جالساً في صالة الطعام ويضع يده على رأسه وهو غارق في التفكير. لاحظت أن هندامه لم يكن مرتباً وكذلك شعره، أما صمته فهو أمر مألوف بالنسبة إلىَّ. ظننت في البداية أنه يعاني من صداع أو من حدث يخص عمله؛ فقد كان يرفض دائماً أن يناقشنا في مشاكل عمله، ويطالبُنا أن نهتم بدراستنا ونختار التخصص الذي يناسبنا ويناسب طموحنا. وهذا في الحقيقة خلاف الواقع؛ فعندما أردت دخول المعهد العالي للفنون المسرحية قال لي: "أنت مجنون ولا تعرف مصلحتك". لذلك اضطررت أن أدخل كلية الهندسة، وهو الأمر الذي نال رضاه رغم فشلي المستمر في كثير من المواد. 

تركته وهو في تلك الحالة، وصعدت إلى الدور الثاني متجهاً إلى غرفتي، فوجدت أختي نوال تمسك هاتفها كالعادة وهي تتحدث مع صديقتها وتطلب الحاجيات من أحد المواقع الإلكترونية. 

- انظري إلى هذا الحذاء، إنه رخيص جداً ب 300 دينار فقط! وجدته في المجمَّع التجاري يوم أمس ب 600 دينار. 

أستغرب كيف يعيش هؤلاء المراهقون حياتهم بهذا البذخ. عندما كنت في عمرها كان أقصى طموحي شراء أفلام DVD منسوخة وبثمن لا يتعدى عشرة دنانير، لكن ربما كانت هذه حياة بعض الفتيات، على النقيض منَّا نحن الفِتيان المتواضعين. 

قاطعت حديثها قائلاً: 

- نوال.. ما به أبي؟ غارق في صمته، وهو في حالة يُشبه فيها مَنْ تعثَّر وسقط في حفرة. 

- لا أعلم.. مشكلاته كثيرة، وهو لا يريد أن يدخلنا فيها، فلماذا نحاول الدخول؟! دعه يستمتع بمشكلاته وحده.

أعلم جيداً أن علاقة نوال بأبي لم تكن جيدة، فهو لا يجيد فن التواصل، وهي تُعاني من تبلُّد المشاعر. أمي هي الوحيدة التي تستطيع أن تحتوي الجميع هنا، وتحاول الوصول إلى مخازن قلوبنا لمعرفة ما بنا، لذلك كان علي أن أعرف منها حالة أبي. أعلم أين أجدها؛ في المطب.. فتحت الباب بهدوء فوجدتها جالسة إلى الطاولة في منتصف المطبخ وهي تقطِّع البصل، التفتت إلىَّ وعيناها مليئتان بالدموع. كنت أظن في البداية أن كارثةً قد حدثت؛ فأمي لا تبكي إلا وقت الكوارث ونهايات المسلسلات التركية الرومانسية، لكنني انتبهت للبصل وعلمت أنه هو السبب.

- أهلاً يا بنيَّ وفرحتي الأولى.. ستجهز وجبة الغداء بعد ساعة من الآن. أعددت لك طبقك المفضَّل "كرات البطاطا" مع سلطة "الجرجير".

قبَّلتها على رأسها قبل أن أسألها: 

- ما به أبي؟ لم أرَه في هذه الحالة منذ فترة طويلة.

توقفت عن تقطيع البصل دون أن تنظر إلىَّ. 

- يا بنيَّ والدك دائماً ما يخوض معارك خاصة في عمله، لا يريد لأحد منا أن يشاركه همومه، فلندعه يقاتل وحيداً، ستجده غداً في حالة طبيعية. 

تعلم أمي ما يحدث، ولكنها وكعادة كثير من الأمهات هدفها ألا ترهقني فكرياً، كما أنها ملتزمة بأوامر أبي بألا يتدخل أحد في شؤونه الخاصة. 

ذهبت إلى غرفتي، بدأ يتلاشى فضولي حول حالة أبي، وبدأت التفكير فيما حدث اليوم لي في الجامعة مع الدكتور "عباس"، ذلك الإنسان العصبي الكثير الصراخ؛ دخلت في مشادة كلامية معه، وقد أدفع ثمنها غالياً، ولاسيما أنه على معرفة جيدة بأبي، وقد تجاوز عني مراتٍ عدة بسبب تلك العلاقة الأخوية حسب وصفه. 

لم أجلس عائلتي إلى طاولة الغداء؛ فقد انتابني النُعاس وخلدت إلى النوم، ولم أصح إلا قبل أذان المغرب بقليل، وجدت رسالةً من أمي على هاتفي تخبرني فيها أنها لم تكن تنوي أن تُوقظني بعد أن رأت التعب على وجهي، ووجدت رسالةً أخرى من صديقي وجاري يوسف يخبرني فيها أنه يريد رؤيتي من أجل الذهاب إلى أحد المقاهي القريبة في منطقة القرين الحِرَفية، رددت عليه لأبلغه بحضوري ولأعلمه أنني لن أُطيل الجلوس معه؛ لأنني سأتناول العشاء مع عائلتي. وانطلقت فوراً إلى المقهى حيث كان يوسف جالساً. 

صديقي يوسف يزيد علىَّ طولاً لكننا في العمر نفسه. ينتمي إلى عائلة لا تقل عن عائلتي في المستوى المادي والصيت الحسن بين العوائل الأخرى. 

حدَّثني مباشرة عن فيلم الخيال العلمي "Interstellar" الذي شاهده للمرة العاشرة وكأنه يشاهده أول مرة، مبدياً إعجابه بأفكار المخرج كريستوفر نولان. وبينما كان مسترسلاً في ذلك الحديث الممل، كنت أحدِّق في عامل "الولعة" وهو يضعها لأحد الأشخاص. ووسط ذلك التركيز قال يوسف: 

- نسيت أن أسألك ما به والدك؟ رأيته اليوم وهو يخرج من البيت، ألقيت عليه السلام ولم يردَّ، وانطلق بسيارته مسرعاً، وكاد يصطدم بإحدى سيارات المنزل المجاور. 

وجهت نظري إليه قائلاً: 

- لا أعلم، لم يكن في حالة طبيعية. لكنك تعرفه أيضاً؛ هو قليل الكلام، وبالنسبة لعمله فهو سر يُخفيه عنا، نحن لا نعرف شيئاً إلا ما نقرؤه في الصحف والمجلات التي تكتب عنه. 

- والدك خارج المنزل إنسان آخر، لكن معكم.. 

قاطعته:

- يجب عليه أن يظهر على غير حقيقته أمام الآخرين، فمواصلة الحياة العملية والاجتماعية تتطلب منك أن تظهر بوجه آخر، تماماً مثل وجهي وأنا أدعي اهتمامي بحديثك عن هذا الفيلم الممل. 

غضب يوسف وطلب مني أن أعتذر عن وصفي لفيلمه بالممل، وأنا أتعمد - وكالعادة - استفزاه وإخباره أن فيلم "شمس الزناتي" أكثر إثارة من فيلمه هذا. 

عدت إلى المنزل في موعد العشاء عند الساعة الثامنة مساءً. وفي أثناء دخولي سمعت صوت أمي وهي تناديني أنا ونوال للجلوس إلى مائدة الطعام، كانت نوال تجلس بالقرب من التلفاز. ذهبنا معاً إلى طاولة الطعام. لم يكن أبي معنا، وضعت أمي الأطباق وجلسنا نتحدث عن جارنا الجديد الذي يجهز بيته للسكن، مسبباً لنا إزعاجاً طوال الليل بسبب ضجة العمال. ردت أمي غاضبة: 

- أبوكما لا ينام أصلاً إلا بصعوبة، وهذا الجار زاد الأمر سوءاً، لا أعرف متى سينتهي ونرتاح. 

- لماذا ينام بصعوبة؟

سألتها فتهرَّبت من الإجابة وسألتني بسرعة: 

- لماذا لا تأكل؟! أكمل أكلك. 

قالت ذلك دون أن تعطيني إجابة على سؤالي. وفجأة سمعنا صوت الباب يُفتح بقوة، كان أبي - بهندامه غير الاعتيادي - يتحدث دون مقدمات، وهو ينظر إلى وجه أمي وكأنني أنا ونوال غير مرئيين. 

- سنرحل خلال أسبوع إلى منزل جديد..!

نظرنا إلى بعضنا البعض ونحن في حالة صدمة. 

- منزل جديد؟!

قلنا بصوت واحد في حالة صدمة وذهول. 

- نعم منزل جديد.. عليكم أن تستعدوا للانتقال، لا أريد أي تأخير لأي سبب. 

- ولماذا ننتقل؟ وأين منزلنا الجديد؟

قالت نوال بعصبية لم نعتدها منها من قبل. 

- سنذهب إلى "جليب الشيوخ"، لدي منزل شعبي هناك ورثته عن أبي. 

- لماذا يا أبي؟ نحن مرتاحون هنا!

سألت أبي بهدوء محاولاً أخذ دفَّة الحديث من نوال الغاضبة. 

- سبب الانتقال هو أن والدكم غرق في الديون بعد مشروع فاشل مع أحد الأصدقاء الذي مع أحد الأصدقاء الذي خان الأمانة وهرب بأموالي، ويجب علىَّ أن أبيع هذا البيت لتسديد جزء من هذه الديون، والتواري عن أنظار أصحاب الديون فترةً من الزمن!

عمَّ الصمت المكان، لا أحد منا لديه أي تعليق. كانت أمي مصدومة إلا أن الأمر لم يشغلها عن وضع الطعام في الأطباق، وهي تتمتم بكلمات تشبه الأدعية، وكأنها تدعو أن تسير الأمور بيُسرٍ دون عُسر، وألا تواجه عائلتها الصغيرة أية مصاعب مستقبلية. أما أنا ونوال فكان الخبر بالنسبة الينا كالزلزال الذي أسقطنا في دوامة من الذهول، وبدّت العصبية واضحةً أكثر على وجه نوال، في حين ارتسم على وجهي ما يشبه الصدمة. 

تركنا أبي فوراً، وذهب إلى غرفته مسرعاً وكأن أمراً طارئاً قد حدث، لم يفكر حتى في الجلوس إلى طاولة الطعام ليشرح ما يحدث لنا أو ليطمئننا على حاله. 

بعد الغداء ذهبنا جميعاً دون أبي إلى الدور الثاني لنعقد الاجتماع الطارئ المصغر مع أمي التي سبقتنا بالحديث: 

- أقسم بالله لم يخبرني أبوكما عن أي شيء. أعلم أنكما تريدان سؤالي عن سبب إخفاء تلك المعلومة عنكما. 

- لكن لماذا لم يخبرك؟ ما الذي حدث وقلبَ كيان أبي رأساً على عقب؟

قالت نوال بعصبية وهي تنظر إلى هاتفها، وأنا ألتزم الصمت حتى أستوعب ما يحدث.

قالت أمي: 

- لا أعلم لكنه تغير منذ أسبوع، قلَّ حديثه وكان كثير التفكير والصمت، وكثُر خروجه وعودته متأخراً. لكنني لم أتجرأ على سؤاله؛ فطبيعة عمله قد تتطلب منه ذلك، لكن أن يتخذ مثل هذا القرار لهذه الأسباب فالأمر مفاجئ لي، فأنا لم أنتبه يوماً إلى أباكما قد انشغل في مشروع. هو مشغول فقط في عمله ودائرة أصدقائه الضيقة جداً. لا أعلم ما مدى صدق ما يحدث، لكن علينا أن نسمع كلامه ونتجهز للرحيل إلى المنزل الجديد.

تركت نوال هاتفها لتنظر إلى أمي وتقول: 

- نذهب إلى أي منزل؟! تلك المنطقة مزدحمة ولا يوجد فيها الكثير من المواطنين، وكثير من البيوت ممتلئة بالعَمالة، كان على أبي أن يبيع ذلك المنزل وليس منزلنا.. مدرستي.. أصدقائي.. حتى المطاعم المفضلة قريبة من هنا.. ماذا أفعل هناك؟

- إشششش..

طلبت منها السكوت وقلت: 

- مطاعن...! أصدقاء..! هل هذا همك الأول؟ أبي في كارثة وقد نجد أنفسنا نخسر الكثير من الميزات التي نعيشها وأنت تقولين هذا الكلام؟! عليك بالصمت فقط. يجب أن نتبع أبي فهو أدرى بما سيحدث وكيف سيخرج من تلك الحفرة التي أوقع نفسه فيها. 

- عليكما أن تقفا إلى جانب أبيكما، وألا تقفا ضده، أنتما تعيشان حياة يحسدكما كثيرٌ من الناس عليها، ليس مع أول سقوط لأبيكما تُشرعان السكاكين في وجهه، دعوا الابتسامة لا تفارق محيَّاكم طوال هذه الفترة، حتى يشعر والدكما أنه لم يخذلكما، كي لا يصيب الحزن قلبه. 

- ومنذ متى يهتم أبي بمشاعرنا؟

قالت نوال ذلك قبل أن تقف وتترك المكان، وأنا أقول لها: "أنت قليلة احترام وأدب!".

جليت قُرب أمي ووضعت يدي بيدها.. 

- لا عليك سنقف كلنا مع أبي حتى يتجاوز هذه الأزمة ونعود لنعيش حياة أفضل. 

بدأت أمي بالبكاء، هذه المرة ليس من تأثير البصل ولكن بعد أن غلبتها مشاعرها. 

- الحمد لله الذي رزقني بابن يحنُّ قلبه علىَّ وعلى عائلته.. والله أنني حتى اليوم حزينة لأنك لم تحقق حلمك في دخول معهد المسرح، لكن صدَّقني أيضاً أبوك..

قاطعتها قائلاً: 

- أمي لا يهم.. حدث ما حدث.. علينا الآن التفكير في المستقبل حتى نستطيع تجاوز كل تلك العقبات. في صباح اليوم التالي.. كانت سيارة النقل "هاف لوري" موجودة عند باب منزلنا لنقل بعض الأغراض، لم أتوقع أن يكون أبي مستعجلاً هكذا، لقد أخبرنا أن الموعد الأسبوع المقبل، لكن يبدو أن الانتقال سيكون أسرع من ذلك. كنت أراقب العمال وهم يحملون بعض الأثاث، وأبي يجلس على كرسي في أحد جوانب المنزل ويحاول أن يشرب فنجان القهوة، لكن يده ترتعش بصورة مُريبة، ووجه لا زال عابساً كما كان بالأمس. 

اقتربت منه محاولاً فتح باب الحديث معه، سألته: 

- أبي.. هل المنزل الذي سننتقل إليه يحمل ذكريات طفولتك؟

نظر إلىَّ نظرة جامدة ورسم على وجهه ابتسامةً باردة، وقال: 

- ذكريات..!! أتمنى أن يحمل الذكريات فقط. 

تركني متجهاً إلى أحد العمال لينبهه على ضرورة أخذ الحِيطة والحذر وهو يرفع أحد الأجهزة الكهربائية، وأنا يدور في عقلي تلك الإجابة الغامضة. 

يا تُرى ماذا قصد أبي؟!

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا