(1)
كانت إحدى ليالي شهر يناير الهادئة، حيث البرودة التي لا يصحبها ريح أو مطر، تلك البرودة التي تملأ الليل لتشاركه هدوءه، بل لتتقمص هدوءه، الوقت يشير إلى ما بعد منتصف الليل بقليل، والناس كلهم في المنازل إما نائمون أو يحاولون ذلك.
هي قرية صغيرة فلا أحداث مهمة تجري فيها، ولا أمور مثيرة، حالها حال أغلب القرى، ففي القرى غالباً ما يكون رتم الحياة أبطأ منه في المدن، والأحداث فيها أقل بكثير، لذلك ما إن وصل صوت سيارة الإسعاف قاطعاً هدوء الليل حتى خرج أغلب من في المنازل لرؤية ما يجري، فسيارة الإسعاف رغم أنها قد تكون حدثاً عادياً في أي مكان إلا أنها في تلك القرية كانت من الأحداث المهمة، لرتم الحياة البطيء وقلة الأحداث المثيرة أو الخارجة عن المألوف.
كانت السيارة متوجهة إلى منزل الحاج حسين أحد رجالات القرية وشخصياتها المرموقة، فنجمع الناس تلقائياً أمام منزله، البعض بدافع القلق والبعض بدافع الفضول، وما هي إلا دقيقة أو اثنتان حتى دخلت سيارة إسعاف ثانية للقرية، لتتوجه إلى منزل الأستاذ سعيد جار الحاج حسين وصديقه القديم، صديقه الذي كان ولم يعد كذلك، وكأن الأقدار تأبى إلا أنو تجمع ما فرقه الزمن، ولملمة ما بعثرته الأيام، فالرجلان كانا في السابق من أقرب الأصدقاء قبل أني تحولا إلى ألد الخصوم، فللقدر لعبة لا يفهمها أحد إطلاقاً، إلا ربما البعض من أولئك الصديقين أو الحكماء، أو ربما من كان طرفاً في تلك اللعبة.
كانا أصدقاء طفولة، تربيا معاً ثم دخلا إلى المدرسة معاً، ومن بعدها الجامعة، انخرطا في الأنشطة الشبابية والحركات السياسية معاً، لقد كانا كما أبناء جيلهما من الشباب، ثوريان يرفضان الرضوخ للواقع، ويرفضان الاستسلام له، فهما يؤمنان بوجوب وإمكان تغيير الأوضاع السياسية والمجتمعية للأفضل، رغم إدراكهما صعوبة الأمر، فقدوتهما لينين سبق له وأن قال: "إن تغيير المجتمع هو تماماً كالطرق على الحديد البارد"، فكانت لهما صولات وجولات مع المخالفين لهما ولفكرهما، فطرقا معاً على الحديد البارد، استشعرا صعوبة تطويعه، تذوقا معاً قساوته والفرحة التي تنتاب المرء عندما ينجح بثنيه ولو قليلاً، كان حراكهما ملحوظاً في قريتهما، فشعلة الشباب عندهما كانت في أوجها، ببساطة كانا شابين مليئين بالحياة والثورة والحركة.
بقيا كذلك إلى ما بعد الجامعة بعدة سنوات، تحديداً إلى أن تزوج حسين، وكون أسرة، هنا بدأت بعض ملامح التغيير تظهر على سطح فكره، وتفلت مع فلتات لسانه، فالزواج ليس ارتباطاً بين شاب وفتاة فقط، بل هو أعمق من ذلك بكثير، هو ارتباط الشاب بعائلة جديدة، وأقارب جدد بل وأناس جدد، وفي حالة حسين ارتباط بمجتمع جديد، ومختلف، وارتباط الفتاة كذلك بعائلة جديدة وأقارب جدد، فالموضوع أبعد ما يكون عن مجرد ارتباط بين أنثى وذكر ليكونا بذرة لعائلة جديدة.
من حظ حسين أن عائلة زوجته التي أصبح الآن جزءاً منها، محافظة وملتزمة دينياً، وبالنسبة له كانت مختلفة، عائلة من ذلك النوع الذي طالما جعله يطرق الحديد بلا هوادة، ورغم أنه في البداية لم يستطع التأقلم مع وجوه يعلوها أثر السجود، إلا أنه ومع اعتياده على الوضع بدأ يتقبلهم بل وبدأ يميل إلى أفكارهم وقناعاتهم، بدأ في رؤية ما بعد علامات السجود واللحى، رؤية ذلك الفكر الإلهي العميق الذي حجبه عنه سوء خلق فلان المتدين أو سوء تصرف علان من المتدينين، بدأ يفرق بين الدين كجوهر وبين المتدينين، أو بعضهم ممن أساؤوا للدين وشوهوا صورته ورسالته، وفي النهاية لم يستطع التفريق كثيراً بين تلك المثل العليا التي حمل رسالتها طيلة سنوات، تلك التي طرق على الحديد بسببها وبين الدين الذي بدأ يتلمس طريقه، فأصبح يرى نفس المثل تتجسد فيه، ونفس القيم تظهر بين تعاليمه.
لم يكن حينها في وارد اطلاع صديقه الحميم على حقيقة وجود تغيير في القناعات، فطريقه الجديد هو طريق لطالما سخر منه واعتبره رجعياً، طريق أصعب ما فيه تبرير سلوكه وانتهاجه، فلم يكن ليجرؤ على إخباره بحقيقة تلك القناعات الجديدة، ولم يكن ليجرؤ على مواجهة كل الأصحاب والمعارف، فمسألة تغيير الدرب والقناعة لا تكمن صعوبتها في الاقتناع والإيمان بفكرة مختلفة، بل إن هذا أسهل ما في الأمر، فالإنسان الصادق مع نفسه يمكن أن يغير من قناعته في دقيقة، وذلك إن تبين له بالدليل خطأ ما يعتقد، بل الصعوبة تكمن في مواجهة الجميع والإصرار على الموقف، لذلك فضل السكوت والانتظار إلى أن يحين الوقت الملائم، انتظار بلا هدف ولا نهاية، فالموقف هو نفسه قائم ولن يتغير، سواء بعد يوم أو عام أو حتى عدة أعوام، لن يتغير إلا بتغير سعيد، وهذا الأمر أقرب للمستحيل منه إلى الممكن.
لم يكن ذلك السكوت لينطلي على سعيد، خصوصاً بعد أن لاحظ تغييراً ما على صديقه، بل ومن ذا الذي يمكن أن يلحظ غيره؟! فهو يعرف حسين كما يعرف نفسه تماماً، لذلك كانت مسألة المواجهة لمعرفة الحقيقة هي مسألة أسابيع ليس إلا، لا سنين كما كان يرجو.
سعيد هو من قرر فتح الموضوع، والهدف أن يضع حداً لشكوكه حول صاحبه، فالتقى به في أحد الأيام، وواجهه بسؤال بلا أية مقدمات، يستفسر فيه عن إن كانت قناعاته قد تغيرت.
لم يكذب، لم يماطل، ولم يسوف في الأمر، فكما كان السؤال مباشراً كان الجواب أيضاً، فأخبره بأنه بات يميل إلى التدين، فأخذ يسرد بالتفصيل (لماذا ويكف) يبرر ما لا يحتاج إلى تبرير، ويجيب عما لم يسأل.
جلسة طالت لعدة ساعات أنهاها حسين بقوله.. "كنت قد قررت ألا أخبرك بشيء كوني أعرف أنك لن تتقبلني بهذه القناعة الجديدة"
وأنهاها سعيد بقوله.. "فعلاً من الصعب علي تقبلك رجعياً بعد أن كنت تقدمياً، بل من الصعب علي مجرد تخيلك وأنت تمارس ما يمارسه الرجعيون".
لم يكن من السهل على سعيد تقبل صاحبه بهذه الصورة الجديدة التي كان عليها، ولم يكن السبب محصوراً في نوعية القناعات التي انتهجها حسين فقط، بل بسبب شعوره بطعنة في الظهر، فحسين تخلى عن المعركة ضد الرجعية وانقلب إلى المعسكر الآخر، تركه في وسط المعركة وفر هارباً، تركه بعد ذا كان يقف معه كتفاً بكتف، قلباً بقلب، ويداً بيد.
هكذا كان يرى الأمر، لذلك حتى وإن حاول أن يجامله قليلاً بين الفنية والأخرى بسبب الصداقة التي تربطهما، فالخلاف لا يكاد يختفي حتى يقفز مجدداً بينهما، ومع الوقت بدأ حسين بالنفور أيضاً من صديقه، فهو الآخر لم يعد يتقبل أفكار صاحبه، وما ساعد على ذلك هو حقيقة وجود الاثنين في بيئتين مختلفتين، بيئة محافظة متدينة وأخرى لا تعرف للدين طريقاً.
بدأ الاثنان يتجهان وبسرعة في اتجاهين متعاكسين أحدهما يساراً والآخر يميناً، ولم يكن أياً منهما يضع فرامل لإيقاف توجهه، فتركا نفسيهما حتى تخطياً حدود التعصب، فبات الخلاف قطعية والاختلاف عداء، وبالرغم من أنه لم يكن يفصل بينهما إلا جدار واحد كون بيتهما متلاصقين، إلا أن أحدهما لم يكن حتى ليلقي التحية على الآخر.
مع ذلك بقيت هناك جذور ما تربطهما في مكان ما، جذور مهما ابتعدا عنها لابد أن يرجعا لها يوماً ما، فكانا كالعجينة التي مهما تمددت فإنها بلاد أن تتقلص لترجع إلى حجمها الطبيعي، صحيح أن فترة التمدد والانكماش تلك أخذت من عمريهما قرابة الأربعين عاماً، إلا أن العجينة انكمشت في النهاية ورجع الاثنان عن امتداد التعصب إلى انكماش الاعتدال.
مرت على الاثنين وفي مواضع عديدة لحظات أراد أحدهما وبشدة أن يكلم الآخر، لكن هناك دائماً الكبرياء واقف كالجدار ليمنع أياً منهما من أن يخطو الخطوة الأولى، تلك الخطوة اللعينة التي ستطيح بكبرياء من يقدم عليها.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا