15. معنى السعادة والشقاء
يعيش كل منا حياته بالصورة التي يرتئيها، غير أن بعض الناس يتشدقون بالمرأة فيما حصلت محادثة بينهما.
ومن هنا أعرض حالتي
إني شاب في الثلاثين من العمر وسيم الطلعة .. مفتول العضلات .. أحوالي المادية جيدة .. مستوى تعليمي متوسط. من خلال تعرفي على النساء لم ترق لي أياً منهن .. فهن جميعاً لا يستأهلن محبة الرجل .. ترى هل حالتي شاذة أم هي طبيعية؟
عصام. ش
لعل ردي على حالتك سيكون فلسفياً أكثر منه تحليلاً نفسياً .. فأنت تعرفت وعايشت النساء فلم تر منهم سوى العدم .. ولهذا سأقول لك إنك قد تعيش ردحاً من الزمن طويلاً لا تفكر إلا في نفسك، ولا تهتم إلا براحتك، ولا تحفل بغير أنانيتك، كأنك وحدك مركز العالم وكأن العالم لم يخلق إلا لك. فتمر بك الأيام والأعوام وأنت هادئ الأعصاب، قرير النفس، منشرح الصدر، تأخذ من الأفراح والاتراح بقسط معقول، لا تعرف الألم الكبير ولا الغبطة المطلقة ولا الصفاء الروحاني العظيم، بل تسخط على هذه القوى النفسية جميعاً، وتسميها أمراضاً، وتمضي في طريقك باذلاً جهدك في تنظيم حياتك وتركيزها، واعتصار مادة الإسراف منها، وتحويل أيامها الطويلة الزاخرة من نهر مزبد عريض إلى جدول متواضع صغير.
ويخيل إليك إنك ظفرت بالسعادة القصوى، وأخضعت الحياة لحكم العقل، وطردت منها عناصر الثورة، وأقمت سداً منيعاً بينك وبين كل ما يمكن أن يعكر عليك صفو هدوئك المتشابه الهانئ اللذيذ. وإنك لنمي حلمك العميق هذا وإذا بامرأة تهبط إليك، لا تعرف من أين مقدمها، ولا من هي، ولا ما تحمل من خير أو شر، وسرعان ما ينقلب نظامك إلى فوضى، وتستحيل حكمتك إلى حماقة، وينتهي اعتدالك إلى شطط وجنون!
يرقد فيك الإنسان الأول ويستفيق الثاني على جلب حياة جديدة ما لك عهد بها، فتشعر والدهش آخذ فيك مأخذه إنك تفرح إلى حد البله، وتبكي إلى حد التمزق. وتشفى إلى حد الخبل. وتموت وتعبث كل يوم مرات بحسب اتقاد حركة الحياة، أو فتورها في العيون التي تحبها وفي الفم الذي تعبد الكلمات متفجرة منه كما يعبد رجل الصحراء ماء الينبوع!
تتلفت حواليك وإذا بك قد سموت في طرفة عين من مخلوق تافه وضيع إلى مرتبة خالق عبقري. فأبدعت لنفسك ولمن تحب وللناس حياة خصبة جديدة تحيطها بمختلف ألوان الجمال والطيبة والحنان والرحمة، شاعر أبلغ شعور وأوفاه إنك لم تكن في يوم من الأيام قاسياً، ولم تكن قط غليظ القلب أنانياً، بل أن التضحية كانت على الدوام معدنك وإنكار ذاتك جوهر قلبك النقي النبيل!.. وتنطلق في إعصار هذه الحياة الجديدة، وتحس إنك بدأت تفهم ظاهرة في الوجود، وتستبطن سر كل فتنة خفية، وتنكشف لك الدنيا من خلال جمال ورقة ودلال من تحب - عن عوالم مقدسة مجهولة محرمة إلا على المؤمنين بالحب والمؤمنين بالألم.
وتتضاعف في نفسك القوى، وتسري في كيانك نار البطولة، ويخيل إليك أن في مقدورك إتيان كل شيء واقتحام كل شيء، فتعد العدة لمستقبل زاهر، وتشمر عن ساعد الجد، وتعلل النفس بالآمال الكبار، وتشعر أن في وسعك القبض على ناصية الكون وإذلاله لإرادتك وتقديمه في ابتسامة متضعة مسكينة - كحيلة نادرة رائعة - إلى المرأة التي اصطفيتها من دون النساء! وحينئذ .. حينئذ .. تبدو منك هفوة بسيطة .. أو تبدو منها كلمة عارضة .. أو يمر بكما رجل غريب .. طويل أو قصير .. أبيض أو أسمر .. جميل أو دميم .. رجل كبقية الرجال ولكنك تبغضه أشد البغض، وتتعزز أعصابك لمرآة، وتحس برغمك نفوذه وسلطانه والهوة السحيقة التي يحتقرها لك .. وتتطلع إلى المخلوقة التي أودعتها صفوة أحلامك، ونصبتها على القاعدة الشامخة كتمثال ومضيت تعبدها، وإذا بها قد ضاقت بالسماء ذرعاً وتمايلت وتهاوت فجأة على نفسها وسقطت على الأرض وتحطمت تحطيماً!
ويهولك مرأى الأشلاء المتناثرة، وتشهد مصرع حلمك بعينيك، فيطوح بك الدوار، وتخبل بحقيقة ذاتك في الهزيمة كما اختبلت بها في النصر، فترتد كالمطعون غشي الدم بصره، وعقد لسانه، وخنق الصرخة في صدره، ثم تنكص في بطء على عقبيك، وترجع إلى دارك، وتقبع في زاوية حجرتك، وتعود إلى حياتك الراكدة المتشابهة القائمة الأولى!
تعود الأنانية والنظام والظلام، والحسرة تقطع فؤادك، واليأس يأكله ويتمدد فيه ويستقر! وعندما يبرح بك العذاب ويمزقك الحنين، وتود أن تلتمس في إيما شيء عزاء لك، تقول وتردد في هدأة الليل بينك وبين ضميرك: لقد أحببت وتألمت، ولكني عشت!
هذه قصتك .. وهي قصتي أيضاً وقصة الناس جميعاً .. ولولاها لما كان في هذا الوجود أي معنى للسعادة ولا للشقاء!
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا