(18)
ذهبنا ثلاثتنا إلى مقابلة كريم بعد أن أستقر رأينا على الاستعانة به، رتب يونس للقاء في منطقة بعيدة عن بيتنا أنا وحنين، كما نبه علينا ألا نبوح بمكان سكننا لأغراب أبداً، التقينا قبله للحديث معا، أخرج يونس الصور والنوتة الموسيقية من الظرف وأخذ ينظر إليهما، ثم تنهد وقال في حيرة:
بالأمس كنت في حفل عشاء كبير في منزل عمي، كان به الكثير من المناصب الكبيرة في البلد.
قلت..
أخبرتني البارحة، وماذا في ذلك؟
قال..
انتهى العشاء في وقت متأخر ولم أخبرك بما حدث.
قال حنين..
كفاك يا يونس.
قال وقد ملأت الدهشة عينيه:
اثنان لا يعرفان بعضهما البعض، الأول من أقاربي والثاني من أصدقاء عمي، الشيء الوحيد المشترك بينهم هو عملهم بمجلس الدولة، كل منهم يسألني منفرداً "ما الخطب الكلية التي تعمل بها يا يونس(، وعندما أسأل كلا منهما عن سبب قوله هذا يقول نفس الشيء الغريب!
قلت:
كما قلت حنين كفاك..
قال كأنه يفكر:
الجيران المحاطة بيوتهم بالكلية حرروا محاضر إزعاج ضدها، وذلك لسماعهم عزف صاخب كل ليلة بعد الساعة الثانية شعر ليلا! الكلية تنفي وجود طلبة في هذا التوقيت بالطبع، وعدد المحاضر في ازدياد والكلية تستمر في النفي، لا أعلم ما الذي قد يحدث؟ هل فعلا ينقلون مكان الكلية في المستقبل؟ هل يستطيعون غلقها مؤقتا؟ لا أعلم، فقد أفكر من أين يأتي صوت العزف؟ وما هي مصلحة الجيران في الادعاء على الكلية؟ ولماذا الآن بالرغم من قدم وجودها بجوارهم! إلا أنهم لم يسمعوا العزف الليلي إلا بعد أن أحترق المبنى منذ سنوات كثيرة في الماضي وفي الفترة الحالية!
نظرنا إلى بعضنا أنا وحنين في ذهول، نظر إلي يونس وقال:
أتريدين أن تعرفي اللحن الذي يعزف بعد الساعة الثانية عشرة صباحا؟
أجبته وقد غلبتني الدهشة..
وهل يحدث هذا فرقا؟
فقال..
للأسف نعم..
قالت حنين..
لماذا؟
قال..
بشكل ودي أطلعت على أحد المحاضر.. بعض أقوال الجيران أكدت أنه يسمع كل ليلة إلى قبيل الفجر بقليل مقطوعة يسمعها دوما عند الثامنة مساءاً وقت وجود الطلبة.. من إحدى الغرف بالتحديد!
ونظر إلي يونس نظرة أفهم مغزاها.. فغر فاهي عن آخره، وكانت حنين في قمة دهشتها أيضاً، حينها جاء كريم في الميعاد المقرر بالضبط، استقبله يونس وحياه بجدية، وبعد أن جلس كريم ونظر إلينا في فضول وابتسم لما رآنا في دهشة، طلب يونس من النادل أن يسجل طلب كريم ففعل، قال كريم في ترقب:
أنا سعيد لثقتكم في الاستعانة بي، أنا تحت أمركم..
قال يونس ومازالت الجدية تسود ملامحه..
الظروف تحتم الأمر.. لكن شكراً لك على أية حال..
قالت حنين:
المبنى تحول لسلسلة من الأحداث المريبة يا كريم، نريد منك كل ما تعلمه عن أي شيء غريب لكي نكشف سره ونخلص المبنى منه.
كان كريم منتبها لحنين فلما انتهت قال:
غريب أمر هذا المكان، تمر عليه السنوات والأشخاص ولا ينكشف السر أبداً!
قال يونس:
ألهذا الحد اهتممت بالأمر طوال هذه السنوات؟
اعتدل كريم في مقابلة يونس وجها لوجه وقال:
أقول لك الحقيقة؟ أنا لا أعمل في مصر الآن لكن تكررت علي أحلام مزعجة بالخارج أيضاً! جعلتني أفكر هل يرتبط الأمر بأشخاص بعينهم أم بالأماكن؟ لذلك كلما جئت في زيارة سألت عن التطورات وهل انكشف سر المكان أم لا؟ يبدو أنني كنت أريد أن أطمئن على نفسي أولا.
قلت:
صحيح.. هناك أحداث ترتبط بالأشخاص أو الأماكن، أنا أؤمن أن الأماكن وراءها أسرار، المهم أنها لا تؤذي، لكن هذا المبنى مختلف.. أعتقد أن أسراره تريد أن تنكشف الآن لذلك تضايق الكثير منا الآن..
ابتسم كريم وقال:
هل تعتقدين ذلك؟
شعرت أن يونس يتفحصه، هل يفعل الرجال ذلك أيضاً عند شعورهم بالغيرة! قال يونس كأنه على عجلة من أمره:
وها نحن الآن نجتمع بك من أجل مساعدتنا في الأمر كلما عرضت.
اعتدل كريم في جلسته وقال:
كل ما أملكه لديكم.. ماذا تريدون؟
قال يونس:
سمعت أنك بحثت في الأمر كثيراً لتعرف السر وراء كل الأحداث المرعبة داخل الكلية ولم تحصل على إجابة شافية.
كان كريم يستمع بإنصات وجدية ثم قال:
ليس بالضبط، حصلت على بعض الأشياء هنا وهناك، ولم أستطع الربط بينها، بينما ما يحدث في الطابق الثالث كان مستمراً في الحدوث رغما عنا جميعا، أتذكر في إحدى المرات أتوا بشيخ ليقرأ القرآن في الطابق الثالث، لكن الشيخ قال: إن المكان ثقيل الظل، وإنه لا يضمن عدم عودة ما يحدث إلا إذا بحثنا وراء الأسباب للمعرفة والعلاج.
قلت:
أتساءل هل تهيئ لنا الشياطين ما نراه في الكلية؟ أم يسكن الجن المبنى؟
قال في جدية:
هذا ما نريد معرفته..
أطلعه يونس على الصور وعلى النوتة الموسيقية "النوم الأسود" وحكى له مضمون ما توصلنا إليه دون تفاصيل، أخذ كريم منه الصور يتفحصها، أشار في تلقائية وهدوء إليها وهو يقلبها وقال:
هذا العم سيد.. هذا الدكتور صالح.. وهذا الدكتور قابيل.. تعرفونهم جميعا.
نظر إلينا يونس في خيبة أمل، أخذ كريم يقلب في باقي الصور دون تعليق، إلى أن وصل لآخر صورة فصاح كأنه يفتقد أحدهم.. هذا سليم..
اقترب منه يونس في فضول وقال.
من هو؟
قال كريم.
هذا الشاب الذي يقف بجانب الفتاة عازفة البيانو.. كان معيداً في هذا الوقت، كنت بالصف الدراسي الأول وكانت السنة الأخيرة له في التدريس، كان حضوره متقطعا وغير منتظم، قبل أن يمرض ويدخل إحدى المصحات النفسية، داومت على زيارته طوال فترة الدراسة مع بعض الزملاء، لكن حالته تدهورت وأصبح منعزلا لا يتحدث مع أحد، انشغلنا بعد ذلك ولم نداوم الزيارة.. مسكين!
نظرت إلى يونس الذي قال في شك لكريم:
سأكون صريحا معك، أنا لا أثق فيك، لا أثق في أحد لا أعرفه في الحقيقة، لكني مضطر إلى ذلك.
قال كريم:
أنا مثلك تماما وأتفهم ذلك، لكن أعدك وعد رجل لرجل أنني لن أخذلك.
كان يونس ينظر لكريم في توجس ثم قال:
هذا جيد.. سوف أطلعك على ما أفكر فيه، أنا أشك في العم سيد والدكتور صالح:
تغيرت ملامح كريم فقلت أحثه على الكلام:
هل ساورك الشك أيضاً؟ هل وجدت أي دليل ضدهما في أي واقعة؟
قال كأنه يتذكر شيئاً:
لا أستطيع أن أجزم بشيء، الدكتور صالح شخصية غامضة ودائما شارد ومقتضب، لا تستطيع أن تعرف عنه شيئاً واضحا، لذلك من الصعب أن أمسك في يدي أي دليل ضده، في النهاية كنت مجرد طالب حتى وإن كنت كبير السن مقارنة بزملائي، أما العم سيد فهو يبيع نفسه للشيطان من أجل النقود، الجميع يعرفون هذا عنه، كل ما أتذكره الآن أن الطلبة حينها كان يرددون أن الدكتور صالح يقوم بعمل غير شريف في الآلات يتربح منه، كأن يؤجرها أو يبيعها مثلا.
قلت:
كيف يحدث هذا؟
قالت حنين:
كلام غير منطقي، فهو مسئول عن جميع الآلات بالكلية، فكيف يفعل أي من هذا وهي في عهدته ولا يدري به أحد طوال هذه السنوات؟
التفت كريم إلى حنين ورأيت بعينيه لمعة غريبة ثم قال:
هذا مضبوط، لكن لا تنسى أيضاً أنه المسئول عن مخزن الآلات الموسيقية الهالكة، كانت الإشاعة تقول: إنه يبيع الآلات.. كيف وأين ومتى؟ لا أحد يعلم، هذا إذا كانت إشاعة وتعلمين أنه لا يوجد دخان..؟
قالت حنين وقد رق صوتها في دلال:
بدون نار.
ثم تبادلا ابتسامة ونظرات إعجاب وشعرت أن كيمياء القلوب الغريبة قد بدأت بينهما.. قال يونس:
إذا كان الأمر حقيقيا فلابد أنه كان يحصل على مساعدة من أحد العاملين بالكلية.
رد كريم:
هذا ما لا أعلمه.
قلت:
وكيف لم يفعل أحد شيئاً كأن يبلغ عنه أو يراقبه مثلا؟
قال كريم في غير اكتراث:
كما قلت لكم.. "تردد" أي أنه لا دليل في الموضوع، ثم أننا شعب ينسى سريعا، فإذا فعل الدكتور صالح شيئاً جيداً اليوم لأي من الدفعات نسوا ما تردد عنه لسنوات، لم يتطوع أحد بالبحث كما فعلت أنا وتفعلون أنتم الآن.. صدقوني لا أحد يهتم.
قاطعه يونس:
كريم.. أريد أن أرى سليم الآن.
نظر كريم في ساعته ثم إلى يونس وقال:
على حسب ما اذكر فإن موعد زيارته قد ولى.. ربما نذهب غداً إن شاء الله.
ثم أكمل في لهجة مقلقة:
ما دمتم مصرين.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا