12. حب الوطن في المفهوم النفسي
رغم النزاعات التي بيني وبين السلطة الحاكمة في وطني وتشردي هنا وهناك، فقد اعتزمت على مغادرة الوطن بأي شكل كان، وبعد بضعة أيام لنزولي في بلاد أجنبية شعرت بحنين فياض إلى سماع أخبار الوطن وإلى تنسم هواته، وإلى هوان العداء بيني وبين من في سدة الحكم، فرجعت فوراً إلى أرض بلادي. وما أن وطئت الحدود حتى انكبيت على الأرض ولثمتها، واعتراني شعور جارف من الغبطة والحبور جعلاني أخط لكم رسالتي هذه طالباً تحليل حالتي في حب الوطن.
حنان. و. ي
لابد للإنسان في الأمة أو الهيئة السياسية التي هو منها من أن تدركه لها رحمة البنوة والأبوة. على هذا فطر الناس أكثرهم. فهم معجبون بماضي أمتهم، يريدونها حرة قوية مجيدة في حاضرها. قلقون على مستقبلها. يشغل قلوبهم ما يلم بها. هذه العلاقة التي لها في كثير من الحالات ما للعشق نفسه من القوة والسلطان، هي ما يعرف بالوطنية، على أن يرافقها عمل في سبيل الوطن.
وعلى هذا فحب الوطن هو شيء نظري مستقر في النفس، يقف عند العاطفة والحنين. ولكن الوطنية! الوطنية الصحيحة تتطلب العمل المثمر وتقتضي المرء واجباته كلها أو بعضها. والوطنية أفضل مثل (للعقائد) التي تحتاج إليها الأمم من غير تعليل، وهي في جملة الغرائز العليا التي هي فوق العقل وحاكمته، لذلك نرى أن تعرف السبب الذي من أجله نحب الوطن، ولكنه سيأتي عليها يوم لا تؤثر في الإنسان عواملها، إلا إذا ظاهرها العقل.
أن الوطنية (متجمع) تحتشد فيه الانفعالات حول فكرة الوطن. فنحن نتباهى بوطننا، ونقاتل من أجله، ونشعر بالحاجة له والخوف عليه، ونسعى إلى أداء ما يتطلبه منا. فالمجتمع أذن يتكون من اتصال هذه الانفعالات الغريزية بهذا الشيء وهو الوطن هنا.
وربما يكون كياننا في مجموعة مكونا من أمثال هذه المتجمعات التي هي الوحدات الحقيقية للناحية العقلية. وكل متجمع منها يشتمل على نواحي ثلاث هي الإدراك والوجدان والنزوع.
والمتجمعات السيكولوجية أنواع ثلاثة: العواطف والاتجاهات والعقد.
فالعواطف هي المتجمعات التي نتقبلها قبولاً شعورياً. والاتجاهات هي المتجمعات التي نتقبلها قبولاً لا شعورياً. أما العقد فهي المتجمعات المنبوذة لأنها غير متصلة فتؤل إلى أن تكبت.
والمعروف إننا نتقبل الاتجاهات تقبلاً (لا شعورياً) وهذا هو الفرق بينها وبين العواطف. فالنشاط الذي يترتب على الاتجاهات نشاط تلقائي، بمعنى أن العمل الذي نقوم به مستجيبين لها إنما هو طبيعة ثانية لنا. فعندما نستفز للجهاد في سبيل الوطن فإننا نقدم على هذا العمل مدفوعين بعاطفة وطنية. ولكن الوطنية قد تكون جزءاً من طبيعتنا، مغروسا منذ الصغر، بحيث يتجه كل عملنا اتجاهاً تلقائياً لا شعورياً إلى خير وطننا أو إلى خير الناس، فيقال في هذه الحالة أن لدينا اتجاهاً وطنياً أو إنسانياً.
ورأى البعض، أن المثل الأعلى في هذه الحياة يجب أن يكون مرماه إلى أبعد من الوطنية، وراحوا يقاتلون المبدأ الوطني في سبيل المبدأ الإنساني. وهذه دعوة ظاهرها حق وباطنها وهم أو تضليل. فمكان الوطنية من الإنسانية، مكان الأسرة من الوطنية. فكما أن الوطني لا يحيا ولا يرتقي إلا إذا نظمت وحداته الأولى التي هي الأسر، فكذلك الإنسانية لا تستطيع أن تسير سيرها الصحيح بل لا سبيل إلى الوصول إليها، إلا بعد أن تنتظم الهيات الوطنية انتظاماً كاملاً. فمتى أصبح للشعب الواحد رغبة صحيحة في تشييد الحضارة، وإقامة العدل، لم ينحصر عمله عند ذاك في وطنه ولكنه يتجاوزه إلى الشعوب الأخرى. فتقوية الوطنية الحق، بتهذيبها من عوامل الاعتداء على الأخرين، والطمع بما في أيديهم، واستعمار بلادهم، هي الأساس الذي تبنى عليه فكرة الإنسانية. فمتى عمل لذلك أصحاب القوة من الشعوب العظمى، عملاً ثابتاً محسوساً فقد حل الخلاف وانتهى الأمر.
وبما أن الحال على خلاف ذلك، فالتمسك بالوطنية حاجة ضرورية. وليس من شيء هو أضر بالشعوب الضعيفة من مقاتلة العاطفة الوطنية، باسم المصلحة الإنسانية، إذ يذهب عملها عبثاً وتضيع الصفقتين: فلا وطنية نستبقي ولا إنسانية نجد.
أن الوطن شرك بين ابنائه، لا يملك بعضهم أن يستأثر به دون البعض الآخر. ولا أن يقامر به وبحقوقه في منافعه الخاصة الدنيا، لما في ذلك من الأضرار بالآخرين وبأبناء الحاضر وما يستقبل من الزمن.
يذكر المؤرخون، أن الناس في عصورهم الأولى كانوا أهل بداوة، لا يقرون بما كان قراراً ثابتاً. فكانت الوطنية يومئذ لا تجد سبيلها إلى النفوس، شأن العرب الرحل إلى يومنا هذا. فالوطنية تحتاج إلى وطن، وكيف يتم الوطن لقوم رحل، وطنهم حيث ينزلون، وهم كل يوم في منزل.
وبما أن الإنسان في أول أمره كان متنقلاً لا وطن له، فلما استقر قراره، أصبح وطنه منزله الخاص، ثم امتدت العلاقات بين الأسر في المدينة الواحدة، فأصبحت المدينة كلها وطنه. واقتضى التعاون والحماية المرددة أن يسهر على حفظ هذا الوطن، وأن يقاتل عنه. وكان الوطني في أثينا وروما - وهما مبعثا الوطنية في هذا العالم - يرى من واجبه أن يغامر بنفسه في سبيل وطنه، وأن يموت فداءه، وأن يعامل أيضاً أبناء المدن المجاورة معاملة العدو.
وتابع الإنسان تطوره الاجتماعي حيث رمى بحدود الوطن إلى أبعد من أسوار المدينة. ذلك أن المدن كانت غرضاً للغزاة. فكان يسهل في كثير من الأحيان على فاتح من وطن بعيد، وعنصر غريب، أن يتغلب على البلاد ما دامت مجزأة مدينة مدينة، منقسمة وطناً وطناً. فكانت تدلهم الحاجة أن يقاتلوا العدو مجتمعين، ولما كانت عاقبة الوحدة الظفر، كان يجتمع أمر المدن على حاكم واحد يختارونه رغبة، أو إنه ينزلهم على حكمه رهبة. فكان من وراء الوحدة القوة، وكان مع القوة الأمن، وفي الأمن مجال للتجارة والصناعة والزراعة. وهذه من شأنها أن تزيل ما كان بين المدن المختلفة من فوارق العادات والشرائع. على ذلك أسست الوحدة الوطنية وبها استقرت.
ولما قضت العوامل الاجتماعية، بأن يكون لكل جماعة وطن ثابت، ولكل فرد ملك خاص، قامت في الأذهان فكرة الحقوق. وأصبح الناس لا يرون أنهم اجتمعوا لحوادث عارضة، وذكريات غامضة، ولكن بعامل الشريعة. وعادت الشريعة في نظرهم (الوليدة المقدسة للأرض نفسها) وجعلت الوطنية تتطور من حالة إلى حالة حتى خرجت عن أن تكون عاطفة فأصبحت عقيدة.
يحب الناس أوطانهم على ما فيها من النواقص والعيوب والمظالم أيضاً، ولولا ذلك لا قفرت البلاد التي يخيم فيها الظلم - وأي بلاد لم يخيم فيها حيناً من الزمن - ولما رأيت الأفراد يجاهدون الجهاد كله في تحرير بلادهم ورفع المظالم عنها.
فقديماً لقي رجال اليونان المخلصون من أمتهم كل بلاء فما فت ذلك في عضدهم، ولا أثر في حبهم لوطنهم. حتى ولا فقد بهم عن نصرته، والعمل له، لك ما أوتوه من قوة وإخلاص. ومثل هذا واقع في كثير من الأقطار المظلومة، ولا يزال إلى يومنا الحاضر.
أننا لا ننكر ما يفعل الظلم بالنفوس، حتى ليقعد بكثير منها عن الأعمال الوطنية، ولكنه لا يمحو من القلب حب الوطن ولا صورته.
أن الفكرة الوطنية بما فيها من الواجبات، وبما لها من الحقوق، هي أقوى الأفكار. وعواملها أكثر العوامل تأثيراً في حضارتنا الحاضرة. وحب الوطن أمر ضروري طبيعي، حتى يخيل إلينا أن اللاوطنية شيء مخيف، يدعو إلى الدهش أكثر ما يدعو إلى الاحتقار. وإذا كان من قوة تستطيع أن تتغلب على أكثر العواطف ثورانا، وتمكنا من لجمها، كالتحزب السياسي، أو كان من قوة تستطيع أن تفرق بين الأم وأبنها، والزوجة وزوجها، وأن تضع السيف في يد من كان يغرق من الحرب إذا تراءت له في المنام - فإنما تلك القوة هي القوة الوطنية ويرى الوطني من حق وطنه عليه، أن يضحي بنفسه في سبيله، بل يبلغ به الأمر أن يرى أشرف عمل يعمله هو أن يموت هذه الميتة.
ومما تقدم نرى أن حب الوطن غريزة طبيعية فينا. فالأرض التي فيها ولدنا، وفيها مرت علينا السعود والنحوس، هس بقعة كريمة علينا لهذه الذكريات التي جمعت بيننا وبينها. وهي عزيزة علينا أيضاً لما لنا فيها من المنافع والمصالح، ولما نفخر به من تاريخها وتقاليدها. أن هذا الشعور هو الذي يبعث فينا روح الوطنية، حتى ليرى المرء نفسه مدفوعاً بعامل طبيعي إلى أن يندغم بهذا الجسم الوطني ويعمل له.
ولكن مر حين من الدهر كانت الوطنية تغلب على أمرها، وأن يغلب معها حب الوطن. فكانت العوامل الدينية أو السياسية تجعل الوطنية نسياً منسياً. وهذه بلاد الغرب على ما فيها اليوم من النعرة الوطنية، كادت في القرون الوسطى أن تنسى الوطنية وواجباتها، حتى قام أصحاب الرأي يستنهضون الهمم إليها، ويوقدون نارها في الصدور.
وبقي الحال هكذا في الغرب، الكتاب والخطباء يحضون أقوامهم على ذلك، حتى كانت نهضة سرت فيها مع الزمن روح الوطنية في نفوس الناس، فكان من ورائها ما كان .. من مجد وحضارة وتسابق في ميدان التقدم.
أرجو أن أكون قد وفقت في وصف تحليل حالتك التي هي حال الملايين من البشر في كل الأوطان والأصقاع.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا