5)
ملكة جمال
استعددت للرحلة الثانية والأخيرة في جدول التدريب، تلك الرحلات مهمة جدًا للتطبيق العملي، فما علينا سوى الملاحظة وتدوين ملاحظات للاستفسار عما لا نعلمه، كانت وجهتي لمدينة بيشاور الباكستانية، كنت أتطلع للذهاب لمكان مختلف، ولكن هكذا شاء مدربنا.
مشرف الرحلة "لوك" من باكستان، بدا لطيفًا، ولكن لم أشعر بالراحة تجاهه، كان يضع وجه "الجوكر" حيث لا تستطيع قراءة روحه.. خلال الرحلة وجدت منه أسلوبًا غليظًا، استغل عدم خبرتي وأرغمني على القيام بمهمات ليست من واجباتي، متعمدًا اضطهادي ووضعي تحت ضغط نفسي شديد، لم يثقل على أحد غيري كنت أنا المستضعفة، كم أكره هذا الشعور.
عند عودتي بكيت بمرارة وقررت ألا أسمح لأحد أن يضعني تحت ضغط يقتل فيه روحي مرة أخرى، كنت محتارة هل المواجهة هي الحل أم الهروب بعيدًا عن تلك الأنفس المريضة في محاولة للحفاظ على نقاء أرواحنا! ولكن هل سنهرب عند كل محنة نصادفها؟!
كان توفيق الحكيم يقول: "العالم مكان خطر للعيش فيه ليس لوجود الأشرار، بل لأن الآخرين لا يفعلون شيئًا حول ذلك".
لن أترك الآخرين يمارسون أمراضهم النفسية بحرية.. تقدمت بشكوى ضد "لوك"، شعرت بالرضا حين دعاني مدير قسم الإدارة لمكتبه ووجدت هناك "لوك" منكسرًا، يعتذر لي عما بدر منه، وكأنه عصفور مسكين لا يقوى على حمل جناحه، إنه فن التمثيل الذي يتقنه الكثيرون، لم أقبل اعتذاره ولم أستطع حتى أن أتظاهر بذلك، لا أملك تلك الموهبة التي مكنت الكثير من الوصول لأهدافهم.
كلما نظرت حولي وجدت الكثير من الفشل المتوج بنجاح ظاهري، أعتقد السبب هو الأنفس المريضة التي آثرت أن تمثل السعادة بدلاً من أن تعيشها، مثل زيجات كثيرة بائسة حتى النخاع، بدأت بصفقة وانتهت بخيبة واستمرارية للبؤس المبرر.
أصبحت إجادة التمثيل فنًا يجنبك مواقف صعبة مثل اتخاذ قرارات مصيرية وإنهاء علاقات بائسة خوفًا من البقاء وحيدًا، ومن أن تظهر فاشلاً أمام الآخرين، أعتقد سبب عنوستي ووحدتي هو عدم قدرتي على التصنع أو على التنازل، لم أتعلم الانحناء عند مرور العاصفة رغم أنه من الذكاء تفاديها، ولكنني من الأغبياء الذين يسعون للحب الصادق والسعادة الحقيقية والأرواح التقية ومواجهة العاصفة.
انتقلت حفصة للسكن مع فتيات مغربيات من بلدتها بعد مشاكل عدة مع رفيقتنا السارقة، ولكن صداقتنا صمدت، فلم يمر يوم من دون أن ألقاها ونتحدث في كل شيء وأي شي...ء وبعدها بفترة قصيرة رحلت تلك السارقة حاملة معها أمراضها لتمارسها على مثيلاتها، حمدت الله كثيرًا وشعرت بأن السكن أصبح بيتي وحدي.
في غضون أيام قليلة انتقلت للإقامة معي فتاة تدعى "آبي".. كانت ملكة جمال الفلبين سابقًا، وكانت جميلة قلبًا وقالبًا، رغم التباعد الجغرافي فإننا تآلفنا سريعًا، كنت سعيدة بصداقتها ولم أبال بنظرات العرب الذين يرون الآسيويات كخادمات فقط، خاصة عندما كنا نخطط للتنزه سويًا في المول أو تناول الغذاء في مطعم ما، كنت ألاحظ نظرات التعجب وأتجاهلها، البشر في العموم متعصبون لجذورهم التي لم يسعوا للحصول عليها ولم تكن أبدًا شيئًا يدعو للافتخار، يجب أن يفخر الشخص بشيء أنجزه وليس بشيء خلق ووجده مثل الجنس والبلد والتاريخ الذي لم يصنعه.
كانت "آبي" حزينة وتعيسة بسبب حبيبها الذي لم يتوان عن خيانتها طيلة الوقت، كانت تذهب في إجازة قصيرة لتجده بين أحضان غيرها وتعود منكسرة، ثم يلح عليها أن تسامحه ويعدها بعدم تكرار خيانتها وللأسف كانت تصدقه.
إنها النفس وما تهوى، كان يتفنن في إيذاء مشاعرها ويستأسد عليها وكانت ضعيفة واهنة، شعرت بالغضب من أجلها، كانت في حاجة لمن يساندها للتخلص من سموم حبيبها التي انتشرت في عروقها فساندتها وشجعتها على تركه، عندما تمكنت من الإقلاع عن حبه، حينها بدأ هو في مطاردتها، إنها النفس التي لا تعرف قيمة الأشياء إلا عند خسارتها.
تعرفت "آبي" على عسكري أميركي يعمل في القاعدة الأميركية (حلم كل فتاة فلبينية), ولكن لم يكن حلمها.. تزوجته بعد فترة قصيرة من تعارفهما ثم رحلت معه إلى بلاد العم سام، أعتقد أنها كانت تهرب من تلك الآلام التي تعتصر قلبها بأحجار الألماس التي كان يمطرها بها زوجها.
النفس البشرية معقدة أكثر من تعقيد الأسلاك في محطة كهرباء؛ لذلك مهما تخيلنا أننا نفهم شخصًا ما، لا بد أنه سيبهرنا بما لا نعرفه يومًا ما مهما طالت السنين.
أحيانًا كثيرة نشعر بعدم ارتياح، ولكن لا نملك سببًا واضحًا فنتجاهل شعورنا رغم أنه في أغلب الوقت يكون صادقًا، الأهم من اكتشاف بواطن الأمور هو كيفية التعامل معها، وعدم الانزلاق في طريق نستنزف فيه طاقتنا ومشاعرنا، وأن نكون قادرين على تحصين أنفسنا من السقوط في بؤرة فقدان الثقة، التي أعتقد أنني عالقة بها.
عندما انتهيت من كتابة السطور السابقة التي تحدثت فيها عن "آبي"، تفحصت صفحتي على الفيسبوك، وإذا بي أجد طلب صداقة، صورة لفتاة تبدو آسيوية، ضغطت على الصورة وتوالت الذكريات تمر أمام عيني، إنها آبي، يا إلهي ما هذا الهاتف الروحي الذي كان يتراقص فوق كلماتي، وحمل لها محبتي؛ مما جعلها تبحث عني وتجدني وتطلب الوصال، أو لعلها بادرت في البحث عني، وشعرت روحي بذلك فحثتني بالكتابة عنها....
كما توقعت وجدتها تركت زوجها الأمريكي ووقعت في غرام رجل آخر ورزقت بطفلين وأصبحت تمتلك عيادة طبية للتجميل، طبيعي ملكة جمال تفتح مركز تجميل، سعدت لها كثيرًا ووعدتها بزيارتها يومًا ما، وظللت أفكر في كيفية تواصل الأرواح.
كم من مرة نختلي بأنفسنا لنتذكر لحظات من عمر فات مع أشخاص كانوا في حياتنا يومًا ما، وإذ فجأة نجد منهم رسالة، هي رسالة من الله أيضًا؛ كي نتيقن أننا لم ولن نعرف خبايا الروح وقدرتها على التواصل، لن ندرك السر الخفي الذي يتحكم في مشاعرنا وذكرياتنا وأرواحنا، اليقين الوحيد هو أن للأرواح أسرارًا تخترق البحار وتعبر القارات وتسري في أعماق قلوبنا؛ لتجعلها تنبض بحنين لتلك الذكريات.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا