هاربة 2 للكاتب عبدالوهاب السيد الرفاعي

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-02-13

 نظرت إلي في حيرة وهي لا تعرف ما أتحدث عنه .. فهزت كتفيها بشكل طفولي كناية عن عدم فهمها .. لتكمل قائلة: 

كنت أجهل كل شيء تقريبا عن العالم الخارجي .. وأظن أنني أعيش حياة طبيعية بهذه الصورة .. فالبيت هو المكان الآمن من كل الشرور ومن الرجال الشياطين كما كانت خالتي تصفهم دائما !!! .. إلى أن جاء ذلك اليوم .. كان هذا منذ حوالي أسبوع فحسب .. عندما كنت في غرفتي وقد أخذت حماما دافئا بعد استيقاظي من النوم بفترة بسيطة .. فرحت أنشف جسدي .. قبل أن تفتح الخادمة باب الغرفة فجأة .. مما أشعرني بحرج بالغ لأنني كنت عارية تماما .. فاختبأت سريعا خلف باب الدولاب المفتوح .. وأعتقد أن الخادمة قد شعرت بحرج شديد لأنها قالت كلمات مرتبكة لم أفهمها ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها .. ليمر بعدها اليوم عاديا للغاية كأي يوم آخر من حياتي إلى أن حان موعد

*في عام 1932 ولدت طفلة أمريكية تدعى (آنا) في إحدى قرى ولاية (بنسلفانيا) .. إذ كانت هذه الطفلة ثمرة لعلاقة غير شرعية .. وقد كان جدها (والد أمها) فلاحا كاثوليكيا متعصبا لم يقبل بوجود حفيدة غير شرعية له .. ولكي يتفادى رؤيتها بعد أن هربت والدتها وتركتها في رعايته .. قام بسجنها في إحدى غرف المئونة القابعة في الطابق العلوي لبيته والتي لا تحوي أية نافذة باستثناء فتحة صغيرة يدخل منها الهواء وبعض أشعة الشمس .. إذ لم يسمح لأحد برؤيتها على الإطلاق .. وكان يلقي لها الطعام والشراب وينظف قاذوراتها فحسب .. تماما كما نفعل مع أي حيوان !!! .. وعندما بلغت (آنا) السادسة من عمرها .. اكتشف بعض المارة وجودها بالصدفة .. فأبلغوا السلطات المسئولة عن حماية الأطفال في الولاية .. وعندها فقط .. هاجم الشرطة بيت الجد وعثروا على الطفلة في أسوأ حال ممكن !!! .. إذ لم تكن (آنا) آنذاك سوى شبح لا يملك من صفات البشر سوى الهيئة الخارجية !!! .. لقد كانت تلك الحادثة بمثابة قضية الساعة في ذلك الحين .. حيث تناقلتها الصحف ووسائل الإعلام بكثافة .. وبالطبع راح الأطباء النفسيين يدرسون حالة الطفلة التي لم تكن تفهمهم أو تتحدث معهم إطلاقا لعدم تعلمها أبجديات الكلام .. لكنها كانت تصدر صوتا غريبا بين الحين والآخر لم يفهمه أحدا على الإطلاق !!! .. وبعد دراسة طويلة لحالتها .. اكتشفوا أن ذلك الصوت ما هو إلا صوت هدير القطار الذي كان يمرّ على بعد ميل واحد من بيت جدها مرتين في اليوم والذي يبدو أنه الصوت الوحيد الذي كانت تسمعه تلك المسكينة خلال حياتها !!!. لقد تفرغت طبيبة نفسية لدراسة حالة (آنا) .. وحاولت بكل جهدها أن تعيد تأهيل تلك الطفلة .. لكن محاولاتها باءت بالفشل .. لتموت الفتاة بعد ثلاث سنوات من العثور عليها .. وقد استنتج علماء النفس والسلوك من خلال قصة (آنا) أن الإنسان لا يولد إنسانا .. وإنما مخلوقا قابلا للتأنيس .. لكنه يتبرمج لاحقا من قبل المحيطين به .. تماما كما يحدث مع أطفالنا

النوم لأذهب بعدها إلى الفراش .. ولكن .. في وقت متأخر من الليل .. وأثناء نومي .. شعرت أن هناك يداً تهزني بعنف .. مع صوت خافت يطلب مني الاستيقاظ !!! .. فاستيقظت بشيء من الذعر .. لأرى الخادمة وهي تنظر إلي بقلق واضح .. ثم راحت تحاول أن تهمس في أذني بهدوء شديد وتطلب مني عدم الصراخ حتى لا تستيقظ خالتي !! .. نظرت إليها دون فهم .. فقالت شيئا مخيفا لا يصدق .. إذ قالت بصوت منخفض للغاية وبلغة عربية ركيكة لكنها مفهومة ((عزيزتي .. أرجوك لا تخشي شيئا .. إنني أحبك كابنتي .. وتعرفين جيدا أنني مقيمة هنا منذ سنوات طويلة وأقوم على خدمتك أنت وخالتك على أكمل وجه .. لذا أرجوك أن تثقي بي وبما سأقوله لك رغم أنه لا يصدق .. أنت .. أنت .. أنت لست بنت .. أنت ولد !!!!!!!!!!))

قفزت من مكاني بذعر حقيقي عندما قالت الفتاة هذه الجملة .. وكأن هناك من صعقني بالكهرباء فجأة .. فقلت بذهول وعيناي متسعتان على آخرهما

 يا إلهي .. م .. م .. ماذا ؟!!! .. أنت .. أنت ولد ؟! .. هل هذا حقيقي ؟؟!

راحت الفتاة (أو الولد) تبكي فجأة .. وهي تقول

نعم !!!! .. تخيل أنني بعد 12 عاما من عمري .. أكتشف فجأة أنني ولد .. وقد قامت خالتي طوال تلك السنوات بتربيتي على أساس أنني بنت .. كانت هي من تشتري ثيابي .. وهي من تستبدلها .. بل وتساعدني على الاستحمام طوال سنوات طفولتي .. لم يرني أحد عارية من قبل سواها .. إلى أن رأتني الخادمة بالصدفة عندما كنت أقوم بتبديل ثيابي بعد الاستحمام في الأسبوع الماضي .. لقد شعرت بصدمة حقيقية كما أخبرتني .. لكنها تصرفت بصورة طبيعية كي لا تعرف خالتي أن خادمتها قد كشفت الأمر

سألته وقد وقفت في مكاني دون أن أشعر من هول ما سمعت

وماذا حدث بعد ذلك يا صغيري ؟!

قال وهو يرتجف بعنف

أقسمت لي الخادمة أنني ولد ولست بنت .. وعلمتني الفارق التشريحي بين الجنسين !!! .. ثم طلبت مني أن ألتزم الصمت تماما وألا أفعل أي شيء .. وقالت لي أن خالتي إنسانة مجرمة ومريضة .. وأقسمت أنها ستساعدني .. في البداية لم أصدقها .. فقد كنت أحب خالتي كثيرا .. لكني أحب الخادمة أيضا وأثق بها .. فهي (مع خالتي) كل من أعرف في هذا العالم !!! .. كما أنني رأيت الصدق في عيني الخادمة .. ولم يكن هناك بدا من تصديقها على كل حال بعد أن عرفت الفارق التشريحي بين الولد والبنت .. وأمام نظراتي المذعورة .. احتضنتني الخادمة وراحت تبكي وتقول أنها ستأخذني إلى المخفر للإبلاغ عن الجريمة التي ترتكبها خالتي بحقي كل يوم !!! .. لكن .. أصدقك القول أنني شعرت بذعر هائل حين عرفت منها أن المخفر مليء بالرجال .. فقد زرعت خالتي في قلبي رعبا هائلا منهم .. وهذا ما جعلها تلغي تلك الفكرة .. ثم طلبت مني الصمت إلى أن تفكر بالأمر وتخبرني عما يجب فعله بعد أيام قليلة

ساد المكان صمتا طويلا بعد هذا الكلام .. قبل أن يقول الفتى متلعثما

 وبعدها ببضعة أيام .. ذهبت الخادمة إلى السوق المركزي .. وقضت هناك وقتا طويلا على غير العادة .. فاعتذرت لخالتي كثيرا عند عودتها وتعللت بالزحمة الشديدة هناك .. لكنها في الواقع تأخرت لأنها كانت تبحث عن حلا لمشكلتي !!! .. فراحت تسأل بعض العاملين في السوق المركزي من جنسيتها عما يجب فعله .. وأخبرها أحدهم أن اللجوء إلى مستشفى الطب النفسي قد يكون حلا مناسبا .. فحصلت بعد سؤالها لزملائها على عنوان المستشفى .. ثم وضعت في يدي مفتاح البيت بعد أن قامت بعمل نسخة منه دون علم خالتي .. ووضعت في يدي أيضا عملة نقدية وطلبت لي سيارة أجرة من هاتفها النقال الذي اشترته بالسر دون علم خالتي .. لتساعدني أخيرا على الهرب بعد أن اعتذرت بشدة عن ذهابها معي كونها أجنبية ولا تريد التورط بشيء .. وأن قضيتي واضحة لا تحتاج إلى شهود كما تقول .. لقد حدث كل هذا منذ ساعات قليلة .. لأصل إلى هنا وأجد نفسي أمامك .. أنت أول رجل أتحدث إليه في حياتي يا .. (عمّي) !!!

عزيزي القارئ.. لا يمكن أن أصف لك حالة التعاطف التي عشتها مع ذلك الصبي .. لا يمكن .. كانت مشاعري متضاربة .. كرهت العالم بأكمله بسبب ما يفعله بعض أولياء الأمور .. حتى أنني نهضت من مكاني واحتضنت الولد بقوة مرة أخرى .. وأخبرته أنني سأكون إلى جانبه مهما حدث .. ثم اتصلت بالشرطة مباشرة .. وأخبرتهم بكل شيء

وفي اليوم التالي فحسب .. جرت باقي الأحداث تماما كما هو متوقع .. إذ تم القبض على خالة الولد والتحقيق معها لبضعة أيام .. ومن ثم إيداعها في مستشفى الطب النفسي تحت ملاحظة زميل لي .. حتى أنني سمعت أنها أصيبت بانهيار عصبي مع التتابع السريع والمفاجئ للأحداث !!! .. الغريب أنني لم أشعر بأي فضول لرؤية تلك المجرمة التي كادت أن تدمر حياة طفل صغير بسبب عقدها النفسية !!! .. إن ما فعلته يندرج تحت بند (إيذاء الأطفال) وهي جريمة خطيرة في الدول المتقدمة وعقوبتها صارمة جدا*

*حقيقة بالطبع ويطلق على هذا النوع من الجرائم asm (Child Abuse)

 

وقد كان لا بد من إيداع الولد بدوره إلى المستشفى ليكون تحت إشرافي .. سيحتاج إلى جلسات علاجية طويلة دون شك حتى يتم تنظيف حالته النفسية - إن صح التعبير - من مخزون الشوائب التي تشرّبها طوال السنوات الماضية من خالته .. أتذكر أنه أصيب بالذعر حين علم أنه سيقضي وقته في المستشفى تحت إشرافي .. إذ سألني بقلق

 إذا ذهبت معك يا (عمّي) .. ماذا سيحدث لي ؟! .. أين سينتهي بي المطاف ؟!!

رددت عليه وأنا أربت على شعره

 أنت في مستشفى حكومي يا صغيري .. وبعهدة الحكومة الآن .. والأهم من كل هذا أننا سنكون معا ولن أتخلى عنك أبدا .. هذا أهم ما بالأمر .. وكل ما أضمنه لك !!!.

ثم سألني وكأنه لا يزال يحمل في قلبه الكثير من الشك بالرجال وهو نتاج سنوات من غسيل المخ كما علمنا

لماذا تريد مساعدتي يا (عمّي) ؟؟!

نظرت إليه طويلا .. ثم قلت

لأنه عملي .. وبسبب الطريقة التي تنظر بها إلي يا صغيري .. ثق أنني سأكون شخصا تستطيع أن تثق به .. لا تخشى شيئا بعد الآن

قلت كلامي هذا .. وتم بعدها مباشرة إيداع الولد في المستشفى فعليا تحت ملاحظتي الشخصية .. وقد اتضح أن اسمه (خالد) .. وليس (خلود) كما كانت تناديه خالته دائما .. يا إلهي .. ستكون أمام هذا المسكين فترة طويلة من التأهيل النفسي حتى أمسح من ذهنه كل ما تعلمه .. سأحاول أن أعيد تربيته إن صح التعبير .. وهي مهمة لن تكون سهلة .. لكن هذا جزء من عملي على كل حال .. وأنا أثق تماما أنني سأنجح بتأهيل (خالد) ليعيش حياة طبيعية ويتأقلم مع حقيقته التي اكتشفها للتو

 ولا أنسى هنا مقولة أحد أشهر الأطباء النفسيين: ((فعالية الدواء لا تتعلق فقط بخصائصه الكيميائية .. إنما بمدى إيمان المريض بقدرة ذلك الدواء على شفائه)) .. وأنا أرى أن الصبي سيثق بي تماما مع مرور الأيام .. وأنه سيتجاوب مع العلاج النفسي ليغدو صبيا طبيعيا .. هذا ما آمله وأتوقعه !!!

لقد ظللت أتساءل طويلا .. هل يعقل ألا يكتشف الصبي حقيقته طوال تلك السنوات ؟!! .. لكن .. عندما تذكرت قصة الطفلة الأمريكية (آنا) والتي تحدثت عنها في بداية القصة .. تذكرت أن الإنسان بطبيعته يقبل الواقع كما يراه حوله ولا يتساءل عن ماهيته وأسراره

إنه أمر غريب بحق .. لقد أصبح العالم بأكمله خليطا من الثقافات واللغات .. فكلما تقدمت وسائل الاتصال سنتقارب كبشر بيننا .. وبالتدريج سننصهر جميعا في ثقافة عالميه واحدة .. فنحن نعيش الآن في عالم حيث الحدود والحواجز بين الدول والأفراد تتلاشى شيئا فشيئا .. تخيلوا بعد كل هذا .. نرى من لا تزال تحبس الأطفال في مكان واحد وتعزلهم عن العالم لتبث في عقولهم تلك الأفكار المسمومة !!!

إنها واحدة من تلك القصص التي تجعلك تكره الواقع .. تكره المجتمع .. تجعلك تشعر للحظة أنك تعيش في زمن أسود اختفت منه البراءة .. وأصبحت مرادفا للضعف والسخافة .. وهو أمر مخيف .. مخيف للغاية .. ربما لهذا أرفض الزواج .. أرفض الإنجاب خوفا على مصير أولادي الذين ستموت براءتهم مع مرور الأيام كما يحدث معنا جميعا .. و .. كما أقول دائما .. إنني طبيب نفسي .. بحاجة إلى طبيب نفس

ي.....:.: :.: ....:.:.:.:.:.. 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا