هاربة 1 للكاتب عبدالوهاب السيد الرفاعي
هاربة
تحكيها: (خلود
بدأت أحداث هذه القصة من خلال زيارة غير متوقعة لقسم الطوارئ عندما كنت أتم نوبتي المسائية .. حيث كان الوقت متأخرا للغاية والساعة تقترب من الواحدة فجرا .. والمستشفى هادئ تماما حتى تكاد لا تصدق أن هذا المكان سيصبح بمثابة خلية نحل بعد ساعات قليلة من
كنت جالسا في مكتبي أعبث بهاتفي النقال شاعرا بشيء من الملل .. منتظرا انتهاء النوبة المسائية كي أعود إلى البيت وأنام كما لم أنم من قبل .. قبل أن ينقطع حبل أفكاري فجأة ..عندما سمعت طرقا خفيفا على الباب .. وإذا بالممرضة تخبرني بنبرة يشوبها الاستغراب الواضح عن وجود فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها على الأرجح ال 12 عاما تريد مقابلتي !!! .. الغريب في الأمر أنها جاءت إلى المستشفى بمفردها كما تقول الممرضة !!! .. بالطبع أثار الأمر اهتمامي وفضولي كثيرا .. زيارة فتاة بمفردها بهذا العمر وبمثل هذه الساعة لهو أمر مريب دون شك .. لذا طلبت من الممرضة أن تسمح لها بالدخول شاعرا أنني على أعتاب قصة جديدة .. قصة تستحق أن أكتبها لكم
لحظات قليلة .. قبل أن تدخل الفتاة أخيرا إلى مكتبي .. كانت رقيقة وهشة للغاية .. خائفة ومرتبكة بشكل ملحوظ .. نحيلة إلى حد ملحوظ أيضا .. وشعرها مربوط على طريقة ذيل الحصان الشهيرة .. إنها في بدايات سن المراهقة .. ربما لا يتجاوز عمرها الثانية عشر بالفعل كما قالت الممرضة
شعرت بتعاطف كبير أمام نظراتها القلقة الباحثة عن الأمان !!! .. وكأنها تنتظر موقفا مناسبا كي تبكي بسببه .. لذا فقد نهضت من مكتبي وتوجهت ناحيتها لأصافحها بابتسامة عريضة وأمسح على رأسها لأشعرها بالأمان .. تماما كما نفعل مع الأطفال الصغار .. ثم طلبت منها أن تجلس وتسترخي .. فجلست بشيء من القلق .. وراحت تنظر إلي بتردد واضح .. لتقول أخيرا بتوتر شديد لا يتناسب أبدا مع صغر سنها
ع .. ع .. (عمّي) ..أرجوك ساعدني .. أنا لا أعرف أين أذهب !!!
قلت لها بابتسامة عريضة وقد بدا لي لقب (عمّي) هذا مضحكا إلى حد ما
أنا هنا لمساعدتك يا (ابنتي) .. ماذا تريدين ؟!
لم أخاطب أحد من قبل بلقب (ابنتي) أو (ولدي) .. لذا بدا لي الأمر غريبا إلى حد ما .. المهم أنه بعد كلماتي تلك .. انهمرت دموع الفتاة بشكل مفاجئ وسريع !!! .. تماما كما توقعت .. وكأنها كانت تبحث عن الحضن الدافئ الذي تستطيع اللجوء إليه .. وقد وجدت هذا في شخصي المتواضع كما يبدو !!!
نهضت من مكاني مرة أخرى .. وذهبت لأربت على رأسها مهدئا .. لكن الفتاة نهضت من مكانها أيضا وراحت تحتضنني بحرارة وهي تجهش بالبكاء وبشكل أثار شفقتي كثيرا حتى دمعت عيناي تأثرا !! .. يا إلهي .. أي مأساة تمر بها هذه الصغيرة ؟؟!
رحت أحتضنها بتأثر شديد وأحاول تهدئتها .. ثم طلبت منها أن تذهب لتغسل وجهها كي تتمكن من الكلام وتشرح لي سر مجيئها .. فنفذت ما طلبته منها .. لتهدأ أخيرا بعد دقائق قليلة .. وأجد الفرصة سانحة لأسألها
ما بك يا صغيرتي ؟؟! .. لماذا خرجت من البيت وحدك ؟! .. أين والديك ؟!
نظرت إلي بحزن شديد .. ثم قالت بتلعثم واضح
إنني .. لقد .. لقد هربت من البيت !!! .. والديّ .. والديّ توفيا منذ زمن بعيد .. بعد ولادتي بشهور قليلة في حادث سير
سألتها بتعاط
إذا .. أين تعيشين الآن ؟!! .. ولم هربت يا عزيزتي ؟!
قالت بأسى
كنت أعيش عند خالتي .. وقد .. وقد هربت منها !!
طلبت منها أن تخبرني بتفاصيل قصتها ووعدتها أنني سأصغي إليها وأقف إلى جانبها وأساعدها بكل ما أستطيع .. فنظرت إلي طويلا وكأنها تزن أمرا ما في عقلها .. ثم حسمت أمرها أخيرا .. وراحت تروي قصتها قائلة
(عمّي) .. إنني في الثانية عشر من عمري .. وقد توفي والدّي في حادث سير عندما كان عمري لا يتجاوز بضعة شهور كما قلت لك .. فأخذتني خالتي المطلّقة لأعيش عندها منذ ذلك الحين .. حيث قامت بتربيتي طوال تلك السنوات .. إنها قريبتي الوحيدة .. لكنها .. لكنها ليست امرأة صالحة .. إنها غريبة الأطوار .. طوال حياتها تكره الرجال كثيرا .. إذ عانت حياة قاسية للغاية مع جدي الذي كان يرتكب كل الخطايا .. ويعود بعدها إلى البيت فيوسع جدتي وخالتي ضربا ويسيء إليهما بكل الوسائل .. حتى ماتت جدتي قهرا بسبب سوء معاملته لها .. أما خالتي .. فاستمر جدي يسيء معاملتها ويضربها أحيانا كثيرة لأسباب تافهة للغاية .. لقد كان .. لقد كان ساديا !!!. .. نعم .. هذه الكلمة ذكرتها لي خالتي أكثر من مرة .. وقد أخبرتني أيضا أن جدي قام بتزويجها لصديق له يكبرها ب 20 عاما على الأقل .. ولم يكن هذا الصديق أقل سوءا من جدي .. إذ راح يتفنن في ضرب خالتي .. ويفعل ما يفعله أي زوج يعود إلى البيت في وقت متأخر وبعقل غيبته المخدرات تماما .. إلى أن مات بعد سنوات بجرعة زائدة .. حيث مات معدما غارقا في الديون بسبب ما أنفقه على المخدرات و ..
كانت تتحدث وكأنها امرأة ناضجة وتخبرني بمصطلحات لا يمكن أن تخرج من لسان فتاة في سنها .. فقاطعتها بشفقة حادة وأنا أقول
مهلا يا صغيرتي.. إنك في الثانية عشر من العمر كما تقولين .. كيف تعرفين كل هذه الأمور ؟! .. هذه أشياء لا يتحدث فيها سوى الكبار !!
ردت بصوت باك وقد عادت دموعها للانهمار
لقد أخبرتني خالتي بكل هذا .. بل وكانت تكرر لي هذا الكلام كثيرا .. تقريبا كل يوم .. حتى تغرس في ذهني كراهية الرجال .. لقد حفظت كل ما كانت تقوله عن ظهر قلب .. فعلمتني أن الرجال شر مطلق .. وأننا يجب أن نبتعد عنهم ونتجنبهم ولا نكلمهم ولا نراهم !!! .. فهي لم تجد الخير من والدها أو من زوجها ولا حتى من شقيقها (خالي) الذي يكبرها سنا والذي تركها تتعذب مع زوجها دون أن يطرف له جفن .. إذ كان يعيش حياته الخاصة بعيدا تماما عن والديه وشقيقته .. كما ترى .. لقد كانت خالتي تشعر أن سبب تعاستها في هذا العالم هم الرجال .. هذا ما راحت تردده على مسامعي طوال الوقت .. منذ بدأت تعلمني الكلام
يا إلهي .. خالتها هذه تعاني بالفعل من فوبيا الذكور أو (الأندروفوبيا) كما نطلق عليها* !!! .. سألتها باهتمام شديد وقد صدمت تماما من كل ما قالت
ولكن يا عزيزتي .. ماذا عن المدرسة ؟!! .. ماذا عن خروجك إلى الشارع مثلا .. لا بد وأن يكون هناك احتكاك بالرجال بشكل أو بآخر !!!
قالت بأسى
أنا لم أذهب إلى المدرسة في حياتي !!!!!! .. ولم أخرج من البيت من قبل .. سوى الآن يا (عمّي) .. حيث هربت أخيرا وتوجهت إلى مستشفى الطب النفسي .. لقد كنت أقضي أوقاتي كلها في الرسم والقراءة .. فلا يوجد في بيتنا حتى جهاز تلفزيون لأن خالتي متدينة جدا .. وترى أن التلفزيون من عمل الشيطان كما تقول دائما
رحت أردد في ذهول
هذا مستحيل .. مستحيل .. هل تريدين أن تقولي أنني أول رجل تتحدثين إليه في حياتك ؟!!!
*fwbia alèkwr (Androphobia) hi /ûd /nwaà alfwbia balfàl .. whi mrtbùâ bxwf almr/â alîdid mn alrjal kma hw waëû mn avsm .. wqd içl bha al/mr _lo al_çabâ bartàaîat ànifâ wàrq êzir w/àraë qd tblê ûd altxîb /w ûto alwqwà fi êibwbâ qd tnthi balwfaâ _èa ma twajd bqrbha rjl
أومأت برأسها إيجابا ببراءة .. وراحت ت
نعم .. عدا مرات قليلة .. حين كانت خالتي تطلب السبّاك أو فني الكهرباء مثلا لإصلاح مشكلة ما .. ولا أنسى أنها كانت تعاملهم بجفاء واضح فقط لأنهم رجال .. كما ترى .. لقد عزلت نفسها تماما عن العالم وعزلتني معها .. فهي تقضي جل وقتها في القراءة أو الحياكة .. وأحيانا الجلوس والتأمل .. أو حتى الحديث معي عن مساوئ الرجال وقبح العالم الخارجي !! .. أما احتياجات البيت فتطلبها من الخادمة التي تذهب إلى السوق المركزي في فترات متباعدة لشراء كل ما يلزمنا .. إنها لا تسمح لي بالخروج أبدا .. فتقفل باب البيت طوال الوقت وتحتفظ بالمفتاح في مكان سري أجهله رغم أنني لم أفكر يوما في البحث عنه أصلا .. ربما لأنني لم أفكر بالهرب من قبل لأن خالتي لا تسيء معاملتي ولا تضربني
قلت بعصبية
بل هي حقيرة .. لقد أساءت معاملتك كثيرا يا صغيرتي كما لم يفعل أي إنسان أعرفه مع أولاده !!! .. خالتك هذه يجب أن تعاقب لما فعلته بك .. لقد حرمتك من التعليم .. حرمتك من الحياة كفتاة طبيعية .. هذا لا يحتمل .. كيف احتملت الحياة معها طوال تلك السنوات ؟! .. و ...
لم أكمل عبارتي .. بل سكت فجأة وقد تذكرت أمرا هاما .. فسألتها بحذر
إن حياتك تبدو رتيبة مكررة لا يفترض أن يستجد فيها أي جديد .. فلماذا هربت من خالتك الآن تحديدا ؟! .. لا شك أن تطورا ما قد حدث !!! .. ثم كيف وصلت إلى مستشفى الطب النفسي يا صغيرتي ؟!! .. ومن ساعدك على الهرب ؟؟! .. أرجوك أخبريني بكل شيء دون استثناء .. يا إلهي .. إن قصتك تذكرني كثيرا بطفلة أميركية قرأت عنها ذات يوم
*:.:.كمل:..:.:.ه: .:.:.:.:.ف:.:.:...:.:..الآن.)
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا