أزرق
يطلقون عليها الزرقة الرمية..
الاسم نفسه مثير للتوجس.. لكنها علامة مهمة جداً في الطب الشرعي.. لأنها تحدد الموضع الذي كانت عليه الجثة في الساعات القليلة التالية للوفاة، ولكم من منتحر وجدوا الزرقة الرمية على ظهره، مما جعلهم يدركون أنه قتل قتلاً على الأرض، ثم علقه قاتله على المشنقة ليخدع رجال الشرطة.. إن القصص المشابهة كثيرة جداً..
يطلقون عليها الزرقة الرمية..
وأنا أحب اللون الأزرق، وأكره أن يرتبط بشيء رهيب مثل الموت.. لكن - للأسف - يظل لون الجثث الباردة والأطراف المرشحة للبتر أزرق.. أردنا هذا أو لم نرد..
كنت طالباً فقيراً في تلك المدينة الصاخبة العجوز.. لا تسأل عن الظروف ولا الضغوط التي جعلتني أعمل في المشرحة.. نحن لا نختار الوظائف التي تعرض علينا وقد كنت في حاجة ماسة للمال..
كان صاحب المشرحة ومديرها ورئيس مجلس إدارتها هو عم (عثمان).. وهو رجل نوبي ظريف له جلد يشبه الباذنجان الأسود، وكان من أسرة اعتادت العمل هنا منذ دهور. في كل عام تطرح المستشفى مناقصة لمن يتولى أمور المشرحة لأعلى إيجار، فكان هو يفوز بها في كل مرة، ومن يمنعه من ذلك يكن هو الجثة التالية الراقدة في هذه المشرحة..
والسبب؟.. من قال إن عمل المشرحة ليس مربحاً؟.. إنه حانوتي يكسب الكثير، ودخول المتوفين في المستشفى إجباري إلى مشرحته هو.. لا أحد يهرب.. عندها يعامل أهل المتوفى كما ينبغي.. أسعار سياحية لا تسمع عنها إلا في أفخم فنادق البحر الأحمر.. والناس مضطرة إلى الدفع لأنهم يريدون إنهاء عذابهم سريعاً..
كنت أساعده في عمله وبالطبع أنال جزءاً من الغنيمة.. لم أكن أتلقى رابتاً، لكن النسب التي كان يمنحني إياها كانت تكفيني لأسدد مصروفاتي وأرسل مائتين أو ثلاثة إلى أسرتي في القرية..
طبعاً لم يمكن أحد في بلدتي يعرف طبيعة عملي.. كنت أزعم لهم أنني أنسخ المستندات في مكتب ما.. لو عرفت أمي بمصدر المال الذي أرسله لتشاءمت وأبت أن تمسه.. وهو تفكير قاصر طبعاً لأن العمل هو العمل.. لابد من بائس ما يغطس في المجاري لتسليكها، ولابد من بائس ما يصطاد الكلاب المصابة بالسعار والجرب، ولابد من بائس ما يقوم بربط فكوك الموتى بالشاش.. هذه أشياء كصلاة الجنازة: إن قام بها واحد سقطت عن الجميع، وإن لم يقم بها أحد أ ثم الجميع..
على أن لهذه المهنة نفعاً لاشك فيه. إنها تعلمك التواضع.. تجعلك متديناً بحق ما لم تكن لصاً أصيلاً مثل عم (عثمان).. أنت هنا تعيش في المنطقة الفاصلة بين الموت والحياة، وكل زبائنك كانوا يمزحون ويدخنون ويدبرون المكائد منذ أربع أو خمس ساعات.. الآن هم أشياء رهيبة ترقد بانتظار من يريحها الراحة الأخيرة.. إنها لعبة كراس موسيقية.. اليوم أنت واقف هنا وهم رقود. غداً أنت راقد على هذه المنضدة وهناك من يقف..
لهذا كنت أكثر من قراءة القرآن.. وأحافظ على ميقات الصلاة بدقة..
سوف أعترف بأن هذه الفترة هي أخصت فترات حياتي من الناحية الدينية..
أعتقد أن الأمر يتعلق بدرجة معينة من الشفافية.. ثمة حاسة سابعة أو ثامنة قد استيقظت في أعماقي مع هذه التجربة الغريبة.. التدين.. معايشة الموت.. العزلة.. الجهد الصادق.. وفي الأيام الأخيرة تكررت معي تلك الحوادث الغامضة التي تمر بنا من حين لآخر.. تفكر في صديق فتجده أمامك.. تشعر بانقباض فتحدث كارثة.. إلخ.. لكني لم أحاول أن أتوقف كثيراً مع هذه الأحداث..
بدأ كل شيء أمس..
في التاسعة مساءً دخلت المحفة إلى المكان.. حينما تمارس أية مهنة لها علاقة ب الطب أو الموت، لابد أن تميز أذناك صوت المحفة وهي بعد في الممر الخارجي.. وكنت وحدي تلك الليلة..
كان الراقد على المحفة رجلاً في الخمسين من العمر.. يبدو أنه ليس معدماً..
وقال لي أحد الرجلين اللذين جاءا به، وهما رجلان لم أرهما قط هنا:
"وجدوه ميتاً في الزقاق المجاور.. لا يبدو أن هناك جريمة في الأمر.. لا أوراق.. إنه ناقص الأهلية"..
وقال آخر وهو يجفف عرقه:
"ربما كانت أسرته تفتش عنه الآن.. وربما لم تكن له أسرة.. لا نعرف"..
رفعت الملاءة وتأملت وجهه ثم سألت في حيرة:
"ما سر هذا اللون الأزرق الذي تلون به جلده بالكامل؟"
قال أحدهما بلا مبالاة:
"وما الفارق؟... لو كان لونه أحمر لسألت السؤال ذاته"..
وقال الآخر بلا مبالاة هو أيضاً:
"ربما كان يشتغل في الأزرق"
قالها دون أن يضحك، وكذا لم يضحك أحد.. هناك دعابات تقال لكنها لا تطالب بجمهور أو حق أداء علني.. تقال لمجرد إخراج الملل أو الضغط العصبي.. على كل حال لابد أن عيني ليستا على ما يرام.. فأنا أشعر أن المسعفين أيضاً لونهما أزرق.. معنى هذا أنني أخرف..
وهكذا تسلمت هديتهما الرهيبة، ففتحت درج الثلاجة الكبير ووضعت فيها ذلك البائس..
لم يكن الطب دراستي لكني قرأت كل ما وقع في يدي من مواضيع طبية كتبت بالعربية.. هناك حالات معينة من الموت بالغازات تسبب هذا اللون الأزرق.. أول أكسيد الكربون يجعل لون القتيل أحمر لذا يسمونه (الموت الأحمر).. لن أعرف الإجابة لكن دعني أؤكد لك أن زرقة هذا المتوفي كانت تختلف عن زرقة الموتى التي أعرفتها.. كأن هناك من ألقاه في دلو به طلاء أزرق بمجرد وفاته..
بعد ما خلا المكان عدت إلى جلستي السابقة.. كوب الشاي ولفافة التبغ.. أعترف أنني كنت أدخن من حين لآخر.. وهي خطيئة بالنسبة لمن هو مثلي في حاجة لكل مليم، لكني كنت أسمح لنفسي بها من وقت لآخر لأعتقد أنني (أمرح).. جوار لفافة التبغ الكتاب الذي كنت أدرس فيه.. أنا طالب في كلية الآداب برغم كل شيء..
حاولت أن أركز فيما أقرأ لبعض الوقت، لكن شعوراً غريباً من التوتر استبد بي.. أعرف هذا التوتر غير القابل للتفسير والذي يحدث أحياناً ويمضي أحياناً... خوف؟.. لا.. لقد كفت هذه المهنة عن أن تثير في أي شيء سوى الملل..
خيل إلي أنني أسمع صوتاً ما من داخل الثلاجة.. هذا أيضاً شيء معتاد في المهنة.. لابد حينما تكون وحيداً ليلاً أن تسمع جلبة من حيث يرقد الموتى.. ظاهرة ينتصب لها شعر رأسك في البداية.. ثم تتعلم مرة بعد مرة أن المصدر الوحيد للصوت هو عقلك المكدود..
لكني قررت برغم كل شيء أن أنهض متثاقلاً.. اتجهت إلى الثلاجة وفتحت درجها العملاق.. كان المتوفي حيث هو لم يتحرك.. أزحت الملاءة وأعدت النظر إلى وجهه.. بالفعل تتزايد الزرقة أكثر فأكثر.. لابد من تفسير لهذه الظاهرة.. إنه رجل أشيب الشعر له ملامح نبيلة.. أنفه معقوف كمنقار النسر وله شفتان رفيعتان حازمتان.. واضح أنه لم يتعذب كثيراً أثناء احتضاره..
قرأت الشهادتين وأعدت غلق الدرج وعدت إلى منضدة الدراسة..
بعد قليل سمعت صخباً.. أعرف هذا النوع من الضوضاء..
كان القادم هو (مدير أعمالي).. عم (عثمان) جاء ليمضي بعض الوقت هنا ويتفقد الأحوال..
لم يكن وحده.. كان معه رجلان.. وقد حياني بطريقته النوبية الظريفة ثم اقتادهما إلى الحجرة الجانبية الصغيرة التي كانت حماماً ثم جعلها مكتباً له، وهو أغرب مكتب يمكن تخيله.. مكتب له دوش يتدلى من السقف وماسورة تنحدر على السيراميك.. ثم ينتهي كل هذا فجأة.. وكان في المكان مكتب عتيق صدئ من طراز (إيديال) وثلاثة مقاعد خشبية من طراز مقاعد المقاهي.. لهذا كان يطلق على المكان ببساطة اسم (الدورة)..
دخلت إلى حيث جلس مع الرجلين وانتشر الدخان في هواء الغرفة الضيقة، فنقلت له خبر القادم الغريب.. هز رأسه بمعنى أنه مطئمن لكل شيء ما دمت موجوداً..
كان يتكلم بينما أنا أ نظر إلى الرجلين..
هذا الوجه..
الرجل الذي يلبس قميصاً أبيض.. هذه الملامح الوقور.. هذا الأنف المعقوف الشبيه بمنقار النسر.. هذا الشعر الأشيب..
أين رأيت هذه الملامح من قبل؟
بعد قليل خرج عم (عثمان) من الغرفة ليرى ما ليدي..
كنت أجلس في تلك القاعة رديئة التهوية والإضاءة أطالع كتبي عندما دخل علي، فسألته عن هذين القادمين معه.. قال وهو يصلح عمامته:
"صديقان"..
ثم اتجه إلى الثلاجة ففتحها.. وسمعته يشهق..
نظرت إلى حيث وقف وأنا أتوقع منه تعليقاً عن اللون الأزرق، لكنه قال في حيرة:
"أين وضعته؟"
دنوت منه أكثر فوجدت أن الدرج خال.. نعم.. خال تماماً!
صحت في هلع وغباء:
"كان موجوداً.. أقسم بالله أنه موجود.. أنا لا أفهم"..
نظر لي بعينيه التي يكتسي بياضهما باللون الأصفر كطبيعة السود ولم يعلق.. فقط قال لي:
"يبدو أنك مرهق.. هل غادر (المرحوم) الثلاجة؟.. لا أظن"..
قلت في جنون:
"طبعاً لا. أنا لم أفارق المكان.. لم يسرقه أحد.. أنا لا أفهم.. أنا لا أفهم"!..
ثم صحت وقد تذكرت:
"رجلا سيارة الإسعاف أحضراه.. سوف يؤكدان لك الأمر"..
قال وهو يغلق الدرج:
"إما أن الجثة سرقت منك وأنت جالس هنا كأنك (مقطف) وإما أنك تكذب أو تتخيل"..
"لا هذا ولا ذاك ولا ذاك"..
في هذه اللحظة ناداه أحد الرجلين فنظر لي بسرعة ثم عاد إلى الغرفة التي كانت حماماً فصارت مكتباً..
كنت أنا أفكر بلا انقطاع.. الرعب الحقيقي هو أن حواسي تخدعني.. أفضل أن يكون الميت قد نهض وفر، لكن لا تقل لي من فضلك إن حواسي تخدعني..
هكذا ظللت أك فروة رأسي كالمجانين محاولاً أن أفيق.. أفيق من ماذا؟.. أفيق من حالة اللاوعي التي تمر بي..
لا أعرف متى رحل الثلاثة.. لابد أن عم (عثمان) لم يرد أن يضايقني ثانية.. غداً سيناقش هذه الأمور معي بشكل أوضح...
وأمضيت الوقت أنظر في الكتاب غير عالم كيف يجب أن أفكر..
هل أصارحك بشيء؟.. كانت هذه أسوأ ليلة في حياتي.. لقد مر الوقت ثقيلاً واستعدت كل المخاوف القديمة من الموت..
على أنني في الثانية بعد منتصف الليل تذكرت أين رأيت تلك الملامح التي رأيتها على الجثة.. رجل أشيب الشعر له ملامح نبيلة.. أنفه معقوف كمنقار النسر وله شفتان رفيعتان حازمتان.. إن هذا بالذات هو الرجل ذو القميص الأبيض الذي كان يجلس مع عم (عثمان)!.. نعم.. لاشك في هذا..
لابد من تفسير لهذا.. هل فر الميت من الثلاجة ليجلس مع صديقيه؟.. هل هو أخو المتوفي التوأم مثلاً؟
المشكلة إنني لو صارحت عم (عثمان) بهذا الرأي لأضفت نقطة أخرى إلى سجل خبالي..
***
في الرابعة صباحاً سمعت صوت المحفة.. هذه المرة رأيت مستعفين يدخلان المشرحة وهما يحملان محفة عليها وجه مكسو بملاءة..
كنت أعرف هذين الرجلين جيداً، وقد حياني أحدهما وقال:
"وجدوه ميتاً في الزقاق المجاور.. لا يبدو أن هناك جريمة في الأمر لا أوراق.. إنه ناقص الأهلية..
وقال آخر وهو يجفف عرقه:
"ربما كانت أسرته تفتش عنه الآن.. وربما لم تكن له أسرة.. لا نعرف"..
هذه المحاورة تبدو مألوفة.. دنوت من الجثة وكشفت الوجه.. وارتجفت.. للحظة كف قلبي عن الخفقان.. هذه المرة بلا لون أزرق ولا شيء.. مجرد جثة يبدو السلام على وجهها. إنه الرجل ذو القميص الأبيض.. الرجل أشب الشعر بملامحه النبيلة وأنفه النسري وشفتيه الرفيعتين..
لقد مات. إنه صديق عم (عثمان).. لاشك في هذا..
وحينما انصرف المسعفان رحت أفكر في معنى هذا كله.. جثة زرقاء تصل في الساعة التاسعة مساء.. بعد هذا تختفي الجثة.. ثم تصل من جديد غير زرقاء في الرابعة صباحاً..
صاحب الجثة بلا شك هو ذلك الرجل الذي كان جالساً في (الدورة).. ما معنى هذا؟
يقولون إن الميت يكون ميتاً بالفعل أربعين يوماً قبل موعد وفاته الحقيقي.. في هذه اللحظات يجلس مع الناس ويتكلم وهو لا يعلم وهم لا يعلمون أنه ميت في وقت مقترض.. حكيت هذه القصة ذات مرة لعم (عثمان) فضحك ساخراً، وقال إن هذه خرافات..
عندهم في النبوة يعتقدون أن هذه الفترة نصف يوم..
ثم ماذا؟.. لا أذكر كل ما قاله لي..
الآن لنفترض أن حالة الشفافية التي مررت بها منحتني هذه الموهبة العجيبة.. لقد رأيت الرجل ميتاً قبل أن يموت فعلاً بسبع ساعات أو أقل.. وكانت العلامة التي منحتها هي أنني رأيته مصبوغاً باللون الأزرق.. بعد هذا فارق الرجل الحي رفيقيه وأمضى أمسية مع رفاق آخرين.. أمسية أرهق فيها صحته طبعاً أو دخن جرعة أكثر من اللازم من المخدرات.. كل أصدقاء عم (عثمان) مدمنو مخدرات بالمناسبة.. هكذا أصابته تلك النوبة القلبية في الزقاق المجاور للمستشفى ووجده أحدهم وأبلغ الإسعاف..
هل هذا السيناريو ممكن؟
كنت غارقاً في هذه الخواطر في الخامسة والنصف صباحاً عندما تردد الصوت الرهيب من جديد.. هذه من الليالي الصاخبة إذن..
على أنني تصلبت عندما رأيت المسعفين اللذين كانا يدفعان المحفة..
إنهما المسعفان اللذان رأيتهما أول مرة.. اللذان أحضرا الجثة الزرقاء.. حقاً إنني أحمق.. لماذا لم أهتم كثيراً بلونهما الأزرق الذي لاشك فيه؟.. هلا هما شبحان؟.. هل هما ميتان؟..
حاولت ألا أظهر جزعي بينما هما يقفان أمامي يحملهما الرهيب..
قال أحدهما:
"شاب دهمته سيارة مسرعة.. إنها ميتة شنيعة"
لم أعلق..
فقط دنوت من المحفة ورفعت طرف الملاءة لأرى صاحب هذه الجثة..
بالفعل كان اللون الأزرق يغمر كل شيء.. والآن فقط تذكرت باقي ما قاله عم (عثمان) لي..
قال لي إن هؤلاء الذين يكونون ميتين فعلاً وهم لا يعلمون، يكسبون شفافية خاصة.. إنهم يرون ما لا يراه غيرهم.. يرون أولئك الذين سيموتون مثلهم في الساعات القادمة!..
الآن أتذكر هذه الكلمات وأفهم لماذا اكتسبت هذه الشفافية..
إن الوجه الأزرق الراقد على المحفة كان وجهي أناّ
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا