الفلسفة تمنح الحياة للكاتب علاء الحلبي

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-02-12

الفلسفة تمنح الحياة لأنها تكشف عن جلالة العيش والغابة الحقيقية منه. أما العقلية المادية، فهي تمنح الموت لأنها تشل أو تغشى أو تلوث الملكات الكامنة في روح الإنسان والتي من المفروض أن تكون مستجيبة للمحفزات المبهجة للفكر الخلاق والفضيلة المنبلة. كم هي وضيعة القوانين التي تحكم الإنسان العصري بالنسبة لمعايير العيش التي سادت في الماضي البعيد! فالإنسان اليوم، وهو مخلوق متسامي مع قدرة لامتناهية على التطوير الذاتي، وخلال اجتهاده لأن يكون صادقاً مع معاير الحياة المزورة والخاطئة، يتجاهل حقه الطبيعي في المعرفة والتنور - دون أن يدرك العواقب الوخيمة - وينغمس في دوامة الوهم المادية. فهو يكرس كل سنواته الأرضية الثمينة في مجهود عقيم يهدف إلى إثبات نفسه كقوة باقية في عالم من الأشياء الزائلة. وبالتدريج، تبدأ ذاكرته عن كونه كائنا روحياً بالتلاشي من عقله الدنيوية، فيبدأ بتركيز كافة ملكاته الذهنية شبه الصاحية على العيش في حالة من المثابرة المضطربة، كخلية النحل، والتي أصبح يعتبرها الواقع الوحيد في هذا الوجود. من المستوى الرفيع ليكنونته، يبدأ بالغرق ببطء إلى الأعماق المظلمة للدنويية المؤقتة. يسقط إلى مستوى الوحش، وبشكل متوحش وبهيمي يواجه المشاكل الناشئة أصلا من سوء معرفته، أو جهله تماما، بالخطة للكونيةأ الإلهية التي حددت الهدف الحقيقي من وجوده في هذا العالم. هنا وسط الاضطراب الفظيع للجحيم الاقتصادي والسياسي والتجاري، يتلوع الرجال ألما من العذاب الذاتي الذي جلبوه لأنفسهم، وعن طريق مد أيديهم نحو الدوامة الضبابية، يحاولون بجهد جهيد الإمساك بأشباح المجد والنجاح والنفوذ والسلطة.

مع جهله عن سبب الحياة، وجهله عن الغاية من الحياة، وجهله عن ما يقبع ما وراء غموض الموت، ورغم أنه يحوز على كافة الأجوبة في جوهره، لا زال الإنسان مصراً على التضحية بالجميل والحقيقي والحسن في داخله وخارجه على مذبح الطموح الدنيوي الملطخ بالدماء، عالم الفلسفة.. تلك جنة الفكر الجميلة التي سكن فيها الحكماء.. بدأت تتلاشى عن الرؤية.. وفي مكانها تصاعدت إمبراطورية من الحجر والحديد والدخان والكره.. عالما يتسارع فيه الملايين من المخلوقات البشرية ذهابا وإيابا وبمجهود متهور ويائس للبقاء، وبنفس الوقت للمحافظة على المنشأة العملاقة التي شيدوها والتي تتسارع كما القوة الماحقة نحو مصير مجهول. في هذه الإمبراطورية المادية التي شيدها الإنسان مسلحا باعتقاد واهي يقول بأنه يستطيع أن يتفوق بمجده على مملكة السماوات، كل شيء تحول إلى حجر، ومبهوراً ببريق الربح والكسب، يحدث الإنسان إلى الوجه الهلامي للطمع ويقف متخشبا مشدوهاً.

في هذا العصر التجاري، يهتم العلم بشكل كلي بتصنيف المعرفة المادية والبحث في الأجزاء الوهمية والمؤقتة من الطبيعة. ما تسمى بالاكتشافات العملية لا تعمل سوى ربط الإنسان أكثر وأكثر بقيود المحدودية المادية، وحتى الدين أصبح مادياً حيث أصبح جمال الإيمان ومنزلته يقاس بالأبنية الضخمة الشاهقة، وبالعقارات والميزانية المصرفية حتى الفلسفة.. الفلسفة التي توصل السماوات مع الأرض كسلم عملاق حيث تسلقه الحكماء المتنورين في كل العصور ليدخلوا روح الواقع حتى الفلسفة أصبحت مجموعة من الأفكار النثرية المتغايرة والمتضاربة. أما جمالها، جلالتها، وسموها التجاوزي، فلم تعد موجودة. كما الفروع الأخرى من الفكر الإنساني، فقد جعلوها مادية - عملية - بحيث أصبحت نشاطاتها موجهة جداً لكي تساهم في تشييد هذا العالم العصري المؤلف من الحجر والحديد.

في صفوف ما نسميهم المتعلمين برز نوع جديد من المفكرين، والذين أفضل ما يمكن وصفهم به هو "مدرسة من الخبراء بشؤون الدنيا". بعد أن انتهى بهم المطاف يتربعون على عرش المعرفة في الأرض، عينوا أنفسهم قضاة نهائيين بقرون مصير كل أنواع المعرفة، البشرية والسماوية. هذه المجموعة حكمت على كل الصوفيين بأنهم مصروعين، ومعظم القديسين مصابون بالعصاب! ويعلنون بأن الله هو اختراع ناتج من خرافات بدائية، والكون نشأ بشكل عشوائي دون أي غاية أو سبب والخلود هو شيء ملفق خيالياً، وأن الكائن الحي هو مجموعة من الخلايا اجتمعت بالصدفة! وتم الجزم بأن فيثاغورث كان يعاني من عقدة نفسية، وسقراط كان سكيراً سيء السمعة، والقديس بولي سعاني من النوبات العصبية، وبارسسلسوس كان دجالا، وكونت دي سنت جرمان كان أكبر. محتال في التاريخ! إلى آخره..

ما أبعد المفاهيم النبيلة التي وضعها الحكماء المتنورون القدامى عن منتجات الحركة الواقعية المشوهة والمحيطة التي شهدها هذا العصر. في كافة أرجاء العالم اليوم، يصرخ الرجال والنساء، الواقعين تحت سيطرة الأنظمة الثقافية الخالية من الروح والوجدان، مطالبين بعودة عصر الجمال والتنور الذي تم نفيه بعيداً.. يطالبون بشيء عملي بكل ما تعنيه الكلمة. بدأ البعض يدركون حقيقة أن ما تسمى الحضارة بشكلها الحاضر وصلت إلى نقطة الاندثار. أصبحوا يدركون بأن البرودة، وتحجر القلب، والمتأجرة، والهلية المادية تمثل عناصر غير عملية، بينما كل ما يوفر فرصة للتعبير عن المحبة والمثالية هو الأصيل والجدير بالاهتمام ويستحق العناء في سبيله. كل العالم يبحث عن السعادة، لكنه يجهل في أي اتجاه يبحث عنها. وجب على البشرية أن تتعلم بأن السعادة، لكنه يجهل في أي اتجاه يبحث عنها. وجب على البشرية أن تتعلم بأن السعادة تتوج رحلة النفس في بحثها عن المعرفة والبيئة. فقط عن طريق تحقيق الخير المطلق والإنجاز المطلق يمكن للنفس الداخلية أن تستقر في أمان. بالرغم من النزعة المركزية للإنسان، إلا أن هناك شيء كامن في عقل الإنسان يتوق للفلسفة.. ليس هذه الشريعة الفلسفية أو تلك.. بل مجرد فلسفة بمعناها الواسع.

وجب على المؤسسة الفلسفية الماضية. العظيمة أن تنهض من جديد، حيث هي وحدها تستطيع نزع الحجاب الذي يعزل عالم المسببات عن عالم التجسيدات. فقط المدارس السرية، جامعات الحكمة المقدسة، تستطيع الكشف للبشرية المتصارعة عن حقيقة وجود كون عظيم ورائع ويمثل المنزل الحقيقي للكائن الروحاني المسمى "إنسان". لقد فشلت الفلسفة العصرية في اعتبارها عملية التفكير" بأنها مجرد عملية عقلية". الفكر المادي يمثل شريعة غير مجدية للحياة. إن قوة التفكير بشكل صحيح هي المخلص الحقيقي للبشرية. كان المخلصون الخرافيون أو التاريخيون لكل عصر يمثلون تجسيدات شخصائية لتلك القوة. إن كل من يتمتع بدرجة عقلانية أكثر من جاره هو أفضل من جاره. كل من يعمل بمستوى عقلاني أرقى من باقي العالم يعتبر أعظم المفكرين. وكل من يعمل بمستوى عقلاني أدنى يعتبر بربرياً. إذا، فالمقارنة من ناحية التطور العقلاني تمثل المقياس الحقيقي لمرتبة التطور الفردي.

باختصار، كانت الغاية الحقيقية للفلسفة القديمة هي اكتشاف طريقة تحفز على نمو الطبيعة العقلانية بدلا من انتظار عملية تقدمها الطبيعي البطئ. هذا المصدر الأهم للقوة، هذا البلوغ للمعرفة، هذا الاكتشاف لله الكامن داخلنا، كل هذا وأكثر يمكن إحرازه في حالة واحدة متمثلة ب "الحياة الفلسفية": هذا كان مفتاح العمل العظيم، سر حجر الفيلسوف، فهذا يعني أن التجول الخيميائي قد تحقق فعلا. إذا فالفلسفة القديمة كانت في المقام الأول تمثل عيش حياة معينة وتمثل ثانياً طريقة تفكير الذي يعيش حياة فلسفية وهي وحدة يستطيع أن يصبح فيلسوف بكل ما تعنيه الكلمة. إن ما يعرفه الإنسان هو ما عاشه واختبره. وهكذا، فإن الفيلسوف العظيم هو من تكون جوانبه الثلاثة الجسدية والعقلية والروحية، مكرسة كليا لعقلانيته ومحكومة كليا بها.

إن طبائع الإنسان الجسدية والعقلية والروحية توفر حالات قد تتمثل بالمنفعة المتبادلة فيما بينها أو من ناحية أخرى تمثل الضرر المتبادل. طالما أن الطبيعة الجسدية تمثل البيئة الوسيطة للطبيعة العقلية، فبالتالي فقط العقل يستطيع التفكير السليم وبهذا يتوج بنية جسدية مهذبة وسليمة. إذا، فالتصرف الصحيح، الشعور الصحيح، والتفكير الصحيح هي جميعا تمثل متطلبات المعرفة الصحيحة. والحوزة على القوة الفلسفية تصبح ممكنة فقط للذين جعلوا تفكيرهم بتناغم مع حياتهم اليومية. لهذا السبب صرح الحكماء الأوائل بأن لا أحد لا يستطيع الوصول إلى أعلى درجات علم المعرفة قبل أن يصل أعلى درجات علم العيش. القوة الفلسفية تمثل المحصلة الطبيعية للحياة الفلسفية. كما يعمل الوجود الجسدي المادي الكثيف على تأكيد أهمية الأشياء المادية الملموسة، أو كما يعمل الزهد الرهباني الميتافيزيقي على تأكيد مرغوبية النشوة الصوفية، فكذلك الحال مع الفلسفة، حيث الاستغراق الفلسفي الكامل يرشد وعي المفكر إلى أرقى العوامل وأكثرها نبلا.. وهو العالم الفلسفي الصافي.

في حضارة دنيوية معنية بشكل رئيسي بإنجاز نشاطات مؤقتة وزائلة، يمثل الفيلسوف عنصر موازن  إذ مهمته هنا هي تقدير وإرشاد النمو الثقافي العام. إن خلق "إيقاع فلسفي" في طبيعة الفرد يتطلب في الحالة العادية ما بين 15 و20 سنة. خلال هذه المدة بالكامل، كان التلاميذ يتعرضون باستمرار لأشد أنواع التدريب والانضباط، كل نشاط من نشاطات الحياة كان يفصل تدريجيا من الاهتمامات الأخرى ويتم التركيز على الجانب العقلاني منه فقط.

في العالم القديم هناك عامل حيوي آخر يعتبر الأكثر أهمية يدخل في عملية إنتاج المفكرين العقلانيين ويتجاوز قدرة استيعاب المفكرين العصريين: يتمثل bàmliâ avntsab Initation إلى المدارس السرية الفلسفية. الرجل الذي استعرض كفاءته العقلية والروحية المتميزة يتم قبوله في جماعة المتعلمين ويكشف له ذلك الإرث من الحكمة السرية التي لا تقدر بثمن والمحفوظ من جيل إلى جيل. هذا الإرث من الحقائق الفلسفية يعتبر كنز الكنوز عبر كل العصور، وكل مريد مقبول في هذه المجموعات الأخوية  ةبّرىتهِرهىىدسة  من الحكماء يقدم مساهمته الشخصية من الاجتهادات الفكرية إلى هذا المخزون من المعرفة السرية.

الأمل الوحيد للعالم هو الفلسفة، حيث كل الأحزان السائدة في الحياة العصرية ناتجة من عدم انتهاج مسلك فلسفي صحيح. إن الذين يستشعرون ولو جزئياً جلالة الحياة سوف يدركون مباشرة مدى السطحية في فعاليات ونشاطات هذا العصر. لقد أحسن القول بأن الفرد لا يستطيع النجاح حتى يطور لنفسه فلسفة خاصة في الحياة. ولا حتى الأمة أو العرق تستطيع الوصول للعظمة قبل وضع فلسفة ملائمة وتكريس وجودها لسياسية متوافقة مع تلك الفلسفة. خلال الحرب العالمية، عندما تسابق نصفي ما نسميها الحضارة ضد بعضه البعض مسعورين بنوبات من الكره والحقد، تم تدمير شيء ثمين جداً وهو أثمن من حياة الإنسان: لقد دمروا سجلات الفكر الإنساني والتي بواسطتها فقط يمكن توجيه الحياة بعقلانية. وثائق لا تقدر بثمن، سجلات نفيسة لإنجازات فكرية مميزة، معرفة مبنية على أجيال من الملاحظات والتجارب المتأنية تابعة لنخبة المفكرين في هذه الأرض.. جميعها دمرت دون وخزة ندم أو شعور بالذنب. ما قيمة المعرفة، ما قيمة الحقيقة والجمال والحب والمثالية والفلسفة أو حتى الدين، عندما تقارن جميعها برغبة الإنسان في السيطرة على نقطة متناهية الصغر في رحاب هذا الكون العظيم ولمدة جزئية من الزمن؟ وبكل بساطة، من أجل إشباع، نزوة أو دافع الطموح في نفسه، الإنسان مستعد لأن يزيل الكون إذا استطاع، وكل ذلك مع علمه اليقين بأن حياته مؤقتة وسوف يفارقها بعد بضعة سنوات، موروثا كل ما استولى عليه بالتدمير والتخريب والحقد للأجيال التالية، فتنتهي قضية قديمة ويبدأ نزاع جديد مع تطلعات وأهداف جديدة. مسلحة باختراعات ومواد حربية متعددة ومتنوعة، سوف تستمر الحضارة في كفاح الأخ لقتل أخ

يه عبر العصور القادمة، لكن في عقل الإنسان بدأ يتجسد خوف كبير. الخوف من تمكن الحضارة في النهاية من تدمير ذاتها في صراع عالمي كبير وجامح. حينها يضطر الإنسان من ألم وعذاب ومآسي. من بين حطام الحضارة المندثرة مع اندثار مثلها، لابد من أن تخرج شعوب بدائية لازالت الآن في رحم القدر لتبنى عالم جديد.

من خلال تبصر حاجات تلك الفترة المستقبلية القادمة، رأى فلاسفة العصور بأنه في تشيد ذلك العالم الجديد وجب إدخال أروع وأصدق ما كان قائما في العالم السابق المندثر. إنه لقانون مقدس أن تمثل كل الإنجازات السابقة أساساً لنظام جديد. لذلك وجب على الكنوز الفلسفية للإنسانية أن تحفظ جيداً كل ما هو اصطناعي ومزيف سوف يتلاشى ويموت، وكل ما هو أساسي وأصيل سوف يبقى، مهما كان الثمن.

لقد تم تمييز شكلين من الجهل عند الأفلاطونيين: الجهل البسيط والجهل المعقد. الجهل البسيط هو غياب للمعرفة وهو مألوف لدى المخلوقات التي تلت فترة السبب الأول (الله) الذي هو وحده يعلم بكل شيء. الجهل البسيط يمثل عنصر دائم النشاط يحفز النفس للتقدم  إلى الأمام بحثا عن المعرفة. من هذه الحالة العذرية من الجهل تنمو الرغبة للإطلاع والمعرفة مع كل ما ينتج من تحسن في الحالة العقلية. الذكاء الإنساني له أشكال وتجسيدات وتجليات تتجاوز عدد ملكاته الذهنية المعروفة والتي هي أيضاً متطورة جزئياً. في هذا القسم المجهول من التجسيدات والتجليات العقلية التي يتعذر فهمها واستيعابها يكمن مصدر الدافع العقلاني. وبالتالي فالحكمة تنتج من الاجتهاد نحو التعامل مع المجهول بطريقة عقلانية.

في التحليل السابق، يمكن للهدف الأسمى وحده أن يسمى حكمة. وبكلمات أبسط، فقط الله هو خير. صرح سقراط بأن المعرفة، الفضيلة، والفائدة هي جميعا واحدة متحدة مع الطبيعة الفطرية للخير. المعرفة هي حالة التعرف. والفضيلة هي حالة الوجود. الفائدة هي حالة الفعل. من خلال اعتبار الحكمة بأنها مرادفة للكمال العقلي، فمن الواضح أن هكذا حالة لا يمكنها الوجود سوى في "الكل"، حيث ما هو أقل من الكل لا يملك كمال الكل. لا يمكن اعتبار أي جزء من الخلق بأنه كامل. وبالتالي فكل جزء هو غير كامل لدرجة أنه لا يسمو إلى درجة الشمولية. أينما وجد عدم الاكتمال لابد من أن يجاريه الجهل. حيث أن كل جزء، رغم أنه يستطيع معرفة نفسه، إلا أنه لا يستطيع معرفة النفس الكامنة في الأجزاء الأخرى. من الناحية الفلسفية، النمو من وجهة نظر التطور البشري هو عملية تقدم من حالة altbain Heterogeneity _lo ûalâ altjans Homogeneity وبالتالي مع مرور الزمن لابد للوعي المعزول للأجزاء الفردية أن يتحد في النهاية ليصبح وعي كامل شامل وتابع للكل. حينها، وحينها فقط، تصبح حالة المعرفة المطلقة (حيث ينعدم الجهل تماما) واقعاً محتماً.

وبناء عليه، يمكننا اعتبار كل المخلوقات بأنها جاهلة نسبيا لكنها بنفس الوقت حكيمة نسبياً. جميعها لا تمثل شيئاً بالمقارنة لكنها تمثل كل شيء بالمقارنة. الميكروسكوب يكشف للإنسان مدى عظمته، بينما التلسكوب يكشف مدى تفاهته. يتقدم الإنسان عبر لا محدوديأت الوجود تدريجيا في حكمته وتفهمه. وعيه المتوسع على الدوام يشمل المزيد من المساحة الواقعة خارج نطاقه. حتى في حالة الإنسان غير الكاملة الآن بدأ يدرك بأنه لن يكون سعيداً أبداً إذا لم يصبح كاملا، وأنه من بين كل الملكات الذهنية التي تساهم في كماله الذاتي لا يوجد ما يساوي بأهميته الذكاء العقلاني. غير متاهة التنوع والاختلاف فقط العقل المتنور يستطيع قيادة النفس نحو نور الاتحاد الكامل.

بالإضافة إلى الجهل البسيط والذي يعتبر العامل الأقوى في النمو العقلي، هناك شكل آخر من الجهل والذي يعتبر أكثر خطراً ومكرراً. هذا الشكل الثاني، والذي يسمى الجهل المزدوج أو الجهل المعقد، يمكن تعريفه بأنه جهل الجهل (أي كما القول المأثور: الجاهلون يجهلون أنهم يجهلون). خلال عبادة الشمس والقمر والنجوم، وتقديم الأضاحي للرياح، حاول المتوحش البدائي استرضاء آلهته المجهولين. لقد عاش في عال ملئ بالعجائب التي لم يفهمها.. والآن ترتفع المدن العظيمة في نفس المكان الذي عاش فيه المتوحشون. الإنسانية لم تعد تعتبر نفسها بدائية أو متوحشة. فقد استبدلت روح الاستهجان بأخرى تتمتع بالاكتفاء المعرفي. فالإنسان اليوم يعبد إنجازاته الشخصية، وإما ينفي عظمة الزمان والمكان إلى خلفية وعيه، أو يقوم بإهمالها تماماً.

القرن العشرين مأخوذ بالحضارة وغارق في الخرافات والتلفيقات التي صنعها. آلهته هي من ابتكاره. لقد نسيت الإنسانية كم هي متناهية في الصغر، كم هي زائلة، كم هي جاهلة فعلا، لقد سخروا من بطليموس لأنه جعل كوكب الأرض مركزاً للكون، لكن الحضارة العصرية نسيت بأنها تأسست على فرضية أن الكرة الأرضية هي الكوكب الأكثر أهمية والأكثر ثباتا بين كافة الأجرام السماوية في الكون، وأن الآلهة القابعة على عروشها النجمية لا يشغلها شيء سوى الأحداث الحاصلة في هذا العالم الفوضوي الصغير.

من جيل إلى جيل كدح الرجال دون توقف لبناء المدن التي يستطيعون حكمها بغطرسة وخيلاء.. وكأن سبيكة ذهبية أو عشرة ملايين خلوة ضريبية تستطيع الارتقاء بالحاكم فوق مستوى أفكاره وجعل لمعان صولجانه يشع إلى أبعد النجوم. خلال سير هذا الكوكب الصغير عبر مساره في الفضاء، يحمل معه عدة مليارات من الكائنات البشرية تعيش وتموت وهي غافلة تماما عن ذلك الوجود اللامحدود القابع خارج الكتلة الصغيرة التي تعيش فيها. بالنسبة لهذا الوجود الذي يقاس بمسافات وأزمنة لا متناهية، ما هي قيمة أباطرة الصناعة وملوك المال؟ لو قدر لأحد هؤلاء النافذين أن يرتفع ويحكم العالم أجمع، فماذا سيكون غير مجرد مستبد تافه يقبع في حبة من الغبار الكوني؟

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا