(1)
"نرجو من حضراتكم ربط أحزمة المقاعد نحن على وشك الإقلاع والتحليق بين السحاب".
انطفأت إشارة ربط أحزمة المقاعد، ووجدت نفسي هائمة في مدى جمال تلك السحب التي تحملنا بكل رشاقة ومرونة بين أحضانها، ما كل هذا الجمال! رأيت وجه أمي الصبوح، أو هكذا خيل لي، فسقطت مني دمعة حائرة لا أعلم هل هي دمعة اشتياق مسبق أم خوف من القادم.
نعم لقد قررت أن أخوض تجربتي بنفسي، وأحقق حلمًا راودني كثيرًا منذ الصغر، عندما كان يسألني أحدهم عن طموحي عندما أكبر، وكانت الإجابة حاضرة دون تردد:"عاوزة أشتغل مضيفة".
كان من بين أحلام طفولتي الكثيرة حلم أن أصبح مضيفة وأن أسافر بلدان العالم وأن أعشق طيارًا ولكني أبدًا لم أسع لتحقيق حلمي فرضت طبيعة حياتي على تفكري حدودًا لم أكن أعتقد أنني سأتمكن من كسرها وتخطيها في يوم ما، حيث نشأت في أسرة صغيرة في إحدى قرى مصر والتي تحصر دور الفتاة في الزواج والخلفة، وما هو غير ذلك فلا قيمة له.
والدي رحمه الله كان متفتح الوعي قليلاً عن المحيط، اهتم بدراستنا وتعليمنا لم يبخل علينا في الاستمتاع بطفولتنا لكن أيضًا كانت تحكمه بعض العادات والتقاليد التي تطوق أرواحنا بأسوار حديدية خانقة، كنت أشاهد الأفلام وأتخيلني بطلة من البطلات وأنني أنعم بتلك الحرية والحياة المرفهة، كانت الأفلام ملجأي وظلت أحلامي تكبر وتزهر عن تمرد على كل شيء ولكن مازالت العقبة الكبرى هي وجودي في تلك المدينة القروية مما جعلني أتناسى حلمي في الانطلاق بعيدًا، إلى أن فاجأتني أختي ذات يوم وهي تخبرني أنها طالعت إعلانًا في إحدى الصحف عن وظيفة مضيفة، وبادرت بمراسلة الشركة وتقديم أوراقي دون حتى علمي"، أتذكر حين رفعت السماعة تحدثت معي سيدة بلكنة بريطانية، فهمت منها أنني على موعد لخوض اختبار المضيفات في أحد فنادق القاهرة، سعدت جدًا رغم عدم تشجيع والدي لي والذي لم يتوقع أن أنجح في الاختبارات لذلك لم يناقشني كثيرًا وقتها ولكني آثرت أن أخوض التجربة حتى النهاية.
بدأت أستعد للمقابلة التي لم تكن سهلة بالمرة، حاولت النوم ولكني لم أستطع، أسئلة وأفكار كثيرة تعصف بذهني، في الصباح الباكر، كنت أول من استيقظ في المنزل، كدت أصرخ لأوقظ الجميع معلنة أنه يوم الاختبار، استيقظوا جميعًا وادعوا لي، أعدت أمي كوب الشاي بالحليب لي واضعة معه في الصحن ساندويتش جبنة بيضاء، كان هذا إفطاري المعتاد منذ فترة طويلة.
اليوم يجب أن أتجنب أي شيء من الممكن أن يحرجني، التهمت لقيمات صغيرة من الخبز واحتسيت الشاي بالحليب على عجل، ثم استسلمت لشلال المياه الساخنة التي غمرتني بشدة، تاركة إياها تزيل عن رأسي أفكاري التشاؤمية، ارتديت ملابسي المكونة من جيب على الركبة زرقاء اللون وجاكيت من نفس اللون يكشف عن بلوزة بيضاء حريرية، كنت أحب هذا الطقم جدًا، لقبته بطقم المقابلات، لما له من طلة تليق بالمقابلات الرسمية، مر علي خالي كي يوصلني للفندق كما وعدني، كنت قد تهيأت ووضعت القليل من الحمرة فأنا لست من محبي الميك آب وأجد نفسي أجمل بدونه، نظرت في المرآة وتفحصتني بدقة.. لأول مرة ألاحظ وجود شامة على خدي الأيمن، كثيرًا ما شبهوني بالفنانة نعيمة عاكف وكنت لا أرى أي تشابه بيننا ولكني في تلك اللحظة لاحظت مدى التشابه، كنت طويلة مثلها ممشوقة الجسد شعري بني غامق وعيوني أيضًا بنية، ينعتوني بالجميلة رغم أنني لا أرى نفسي من الجميلات ولكن في تلك اللحظة شعرت أنني مليحة أو أردت أن أصدق هذا لأشجع نفسي على الذهاب بثقة رغم شعوري بالارتباك.
عند مدخل الفندق تركت خالي مبتسمًا يدعو لي بالتوفيق، سألني موظف الاستقبال مستفسرًا، هل أنت هنا لمقابلات الضيافة، أجبته بإماءة من رأسي، رسم ابتسامة على وجهه وأشار بيده ليرشدني إلى القاعة المنشودة، بداخل القاعة تواجد المئات مثلي منتشرين هنا وهناك، على شكل مجموعات أشبه بطبقات المجتمع المختلفة، وجدت المنفتحين سواء بملابسهم أو بطريقة تعاملهم؛ حيث الضحك والتدخين والتعالي في الحديث، والتباهي بأكاذيب وحقائق في محاولة لإثبات أنهم الأفضل هكذا صورهم مخرجو الأفلام، ومن جهة أخرى وجدت المحافظين وقد بدت عليهم مظاهر الثقافة؛ حيث كان النقاش عن أفضل شركات الطيران وعن شروط العمل بالخليج، وعن قانون الكفالة وغيرها، لم أكن بعد ملمة بمجريات الأمور في الخليج ؛ كي أتوغل في قوانين العمل هناك، وجدت البسطاء الساعين لأجل تحقيق حلم راودهم رغم تواضع حالهم مثلي، كنت أنا معهم بسيطة من البسطاء.
بدأت الاختبارات التحريرية المتعارف عليها لتحديد مستوى المتقدمين لغويًا، تبعها الوقوف أمام اللجنة لتقييم المظهر وقياس الطول والوزن، نعم الطول والوزن مهم جدًا قبل أن تلتحق بالعمل، ولكن من سافر يجد مضيفات بأحجام ضخمة في الطائرة، أليس هذا يحدث في كل شيء؟! حتى في الزواج نجد الزوجة والزوج في فترة الخطوبة (الاختبار) في أحسن حال، وما إن تقع الفأس في الرأس تجد الزوجة وقد تكنزت، وأصبحت كما يطلق عليهن الآن "كيرفي"، مصطلح يخفف من حجم المعًاناة، وتجد الزوج وكأنه ابتلع كرة قدم، حيث انتفخ الكرش وسقط الشعر، إنه التحول الذي يحدث من مرحلة السعي للشيء إلى التمكن منه.
بعد قياس الطول والوزن تم تقسيمنا إلى مجموعات، ثم بدأنا التنافس في مسابقات مختلفة الهدف منها معرفة المهارات الشخصية للمتقدمين سواء في التعامل مع الآخر أو في طريقة عرض الأفكار والقدرة على العمل كفريق والمشاركة الفعالة وبناء عليه تم اختيار بعض منا لاستكمال الاختبارات وطلب من الباقين الرحيل لعدم قدرتهم على إظهار الكفاءة المطلوبة.
أنهينا الاختبار بمقابلات شخصية مع سيدة بريطانية بدت لطيفة، حيث قامت بطرح أسئلة عامة لمعرفة الحالة النفسية للمتقدم، كانت تلك المقابلة هي الأطول، جلست نصف ساعة مع تلك السيدة التي أنهت مقابلتي بابتسامة ثم سلمتني بعض الأوراق قائلة:
- مبروك عزيزتي لقد اجتزت الاختبار.
طرت من الفرحة، ليس فقط لاجتيازي الاختبار، ولكن لأني استطعت أن أنفذ ما أردته، في معظم مجتمعًاتنا العربية نظل نحن الفتيات نعاني من كم الممنوعات والمحظورات والقوانين التي فرضها علينا المجتمع، فنحن الفتيات نعاني من ضغط العائلة والشارع والفكر المجتمعي المريض ونحاول بجسارة أن نتخطى كل ذلك وتثبت أننا قادرات على تحقيق أحلامنا مهما عظمت العوائق.
فكرت في رد فعل أبي وأمي هل لو قدر لي السفر سيباركون لي اختياري أم سيصبون على لعناتهم ويزيدون من خنقة السوار حول رقبتي، لكنني لم أفكر كثيرًا، قررت أن أقاوم لآخر نفس وأن أحارب كل تلك العادات والأفكار التي تتمثل في العيب وكلام الناس، نعم مجتمعنا يرفض فكرة سفر الفتاة وحدها ما بالكم بالسفر لبلد آخر والعيش وحدي ولكني كنت من هؤلاء الفتيات المحاربات، لم يكن سهلاً إقناع والدي بسفري والعمل بالضيافة وحدي، ولكني استخدمت كل الطرق لإقناعه، تناقشنا كثيرًا وطلبت من أقاربنا أن يقنعوه ومن والدتي أن تدعمني، كما أن بكائي وإصراري كانوا من أهم أسلحتي التي ساعدتني على عدم التنازل عن حقي في الاختيار، حتى وإن بدا اختياري خطأ سأتحمل عواقبه وأنا سعيدة.
انتبهت للمضيفة وهي تسألني عن مشروبي، لم أسمع اللهجة المغاربية من قبل، لهجة بدت لي قاسية نوعًا ما، ينطقون الحروف بقوة، قد نبدو نحن "المصاروة" كما يطلقون علينا في الخليج رقيقين جدًا بلهجتنا...
كانت مليحة الوجه مثل الكثيرات من المغرب، لم أكن أعلم أن أقرب صديقاتي ستكون من تلك البلدة، طلبت عصير تفاح، أعطتني إياه ومعه كيس من البسكويت الصغير جدًا تناولتهما معًا، بجواري كانت "نغم" و"رانيا"، نحن الثلاثة تم اختيارنا لننضم لطاقم الطيران، نغم كانت بسيطة وهادئة جدًا، قاهرية من أسرة صغيرة كانت هي الوحيدة لأبويها، لطالما تعجبت كيف تركاها تسافر، أعلم جيدًا كيف يكون الآباء محاصرين ومقيدين لطفلهم الوحيد، لكني كنت سعيدة بمعرفتها، فلقد أتممنا كشوفنا الطبية معًا وتعرفت على والدتها التي أوصتني مرارًا على نغم، أحببت والدتها فطيبتها واهتمامها شملني أيضًا، أما رانيا فكانت من الإسكندرية، من الصعب قراءتها لكن من السهل تحديد أنها تتمتع بخبث كبير.
سمعت الكابتن يرحب بنا عبر السماعات، ويخبرنا ببعض المعلومات عن الرحلة، حينها ارتجف قلبي وتساءلت: ترى هل سأحب طيارًا كما يحدث في الأفلام؟ هل سأكون مديحة كامل في فيلم (بريق عينيك) وسأقع في غرام نور الشريف.
"نرجو من حضراتكم العودة إلى مقاعدكم مع ربط أحزمة المقاعد استعدادًا للهبوط".
عند الإعلان عن الهبوط مرت علينا المضيفات للتأكد من ربط الأحزمة ووضع الحقائب في أماكنها، وجدت كثيرًا من الركاب يمتنعون عن وضع الحقائب في أماكنها المخصصة، حقيقة شيء مزعج أن تظل المضيفة تشرح للركاب كل على حدة عن أهمية السلامة العامة وتطبيق الإرشادات.
جلست المضيفة في كرسي مقابل لي، وقد بدا عليها التعب والإرهاق، ورغم ذلك رسمت تلك الابتسامة الصفراء على وجهها، لماذا اختاروا اللون الأصفر للتعبير عن الابتسامة القاحلة رغم أنه مبهج؟ لماذا لم يقولوا الابتسامة البني؟ مثلاً فيها من القتامة ما يدل على التصنع.. كم أشفق عليها وعلى نفسي، فأنا لست أجيد التصنع في أي شيء حتى في وضع الميك آب أداة التصنع الأسهل.
(2)
أول يوم
وصلنا إلى الدوحة؛ حيث استقبلتنا في المطار "ماريا".. سيدة اسكتلندية بابتسامة باردة، اصطحبتنا إلى مول صغير لنتبضع ولإجراء اتصالات هاتفية بذوينا لطمأنتهم، لم يكن معنا الموبايل وقتها.. حيث لم يكن يقتنيه إلا المرفهون جدًا، هل لكم أن تتخيلوا الحياة بدون هذا الجهاز الصغير حجمه العظيمة منافعه؟
في المول اقترب منا زوجان لم يرزقهما رب العالمين بأطفال، علمت ذلك لاحقًا، بادرا بالحديث معنا وانتهى الحديث بدعوة لتناول العشاء، وبالفعل كانت أول خطوة لبناء علاقة أبوية جميلة بيننا، ومن حسن الحظ أن منزلها مجاور لسكن المضيفات الخاص بنا، هما في حاجة لنا على قدر حاجتنا لهما، أعتقد عندما نعيش محنة ما يرسل لنا رب العالمين من يخفف عنا ويساعدنا على اجتيازها، لذلك أعتقد أن وجودهما هناك لم يكن صدفة.
عند عودتنا قررنا نقل أسرة الفتيات إلى غرفتي بما أنها الأكبر، والنوم فيها معًا؛ للتغلب على شعور الخوف الذي تملكنا جميعًا، خاصة أنها الليلة الأولى بعيدًا عن الحضن الآمن ودفء الأسرة، كانت تلك فكرتي وقد دفعت ثمنها لاحقًا، كم كنت ساذجة في الوثوق بالناس بهذه السرعة، لكن أعتقد أنه القدر الذي جمعني بهم، فلقد كتب علينا معاشرة أناس جدد نتعلم منهم ونتعلم فيهم أيضًا، كيف لنا أن نقرأ الأشخاص ونفهم معادنهم سوى بالعشرة!
لا أعلم هل نحن مخيرون؟! لم أخير في تكوين شخصيتي ولا خيرت في المجيء للدنيا من عدمه ولا حتى خيرت فيمن يهواه قلبي ولا من أشفق عليه من قسوتي، هل خير الشيطان في التوبة؟! هل كان مقدرًا لي السفر أم أنه اختياري؟ هل اخترت تلك الفتيات لأسكن معهن وأعاشرهن أم أنه قدر مكتوب؟
أرى الدنيا وتجاربنا فيها كأنها عمل فني ونحن نؤدي أدوارنا فيها وكل منا بطل قصته، لم يكن البطل متحكمًا في قصة الفيلم، فالسيناريو معد سابقًا وموقع التصوير محدد، حتى الكومبارس تم اختيارهم قبل بدء التصوير.
"الدنيا مسرح كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون على هذا المسرح".
وليم شكسبير
يقول البعض إننا نصنع أقدارنا بأنفسنا، علينا فقط أن نتفاءل ونفكر دائمًا في أسباب النجاح، لذلك سأحرص دائمًا على أن تكون مشاعري إيجابية، لعلها تجلب المزيد من الأشياء الجيدة لحياتي، وبناء عليه قررت أن أستمتع بكل لحظة مقدرة لي حتى وإن بدت صعبة.
قليل من النوم وكثير من الأفكار، هكذا بدأت يومي.
تري كيف ستكون حياتي هنا؟
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا