من روائع القصص العالميةترجمة حصة إبراهيم العمار فيما ... السيارة تنتظر

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-02-11

 

فيما ... السيارة تنتظر 

للكاتب الأمريكي: /w. hnri O. Henr

فيما كان الشفق ينثر حمرته الشفافة الشاعرية على مدارج السماء جاءت ثانية على عجل ... ذات الرداء الرمادي وتوجهت إلى ركن هادئ في ذاك المنتزه الساكن البهي ... وجلست على أحد المقاعد الخشبية ثم شرعت تقرأ كتاباً تعيّن أن تنهى قراءته في نصف ساعة

وعوداً على بدء نقول بأنها كانت ترتدي رداء رمادياً عادياً لدرجة أخفت ملامح دقة التصميم وروعة الزيّ

وكانت تلبس قبعة نسوية أسبلت عليها خماراَ شفافاً عطّاها وامتد ليحجب محيّاً شع من خلاله متوهجاً بجمال هادئ ... لاهٍ ... غافل

كانت قد أتت إلى نفس المكان ... بذات الزمان ... يوم أمس والذي قبله وثمة شخص كان يعرف ذلك. ذاك الشاب الذي كان على علم بما سلف ... طفق يحوم حول المكان ... آملاً أن يسعده الحظ فتسنح له فرصة لبدء حوار معها ... وما تخلى عنه ... إذ إنها في خضم قلب إحدى الصفحات سقط الكتاب من يدها فجأة متجاوزاً موقع صاحبته بما ينيف عن الياردة، وبنهم فوري سارع الشاب إلى التقاطه وإعادته إلى صاحبته بذات السيماء الشائعة في المتنزهات العامة ... مزيج من الشهامة والأمل ... ورام مدخلاً إلى ذاتها فعلّق على حال الطقس السائد - وهو موضوع تنسب إليه اليد الطولي - مع شديد الأسف - فيما يكتنف هذا العالم من كدر ويؤس - ثم وقف - في قلق - على مشارف الأمل واليأس ينتظر مصيره المحتوم

وطافت به عيناها بشيء من اللامبالاة ... مجرية مسحاً شاملاً على زيه البسيط في أناقة ... وعلى ملامحه التي ما قرأت في أعطافها تعبيراً مميزاً.

- بإمكانك الجلوس - إن أردت - قالت بصوت عذب رخيم رنّان - أنا أريدك حقاً أن تجلس، انسكبت جُلّ صبابة النور وما عاد فيَّ بُلغةٌ تعين على القراءة، أفضل الحديث معك

وبكياسة ولطف جلس إلى جانبها غير مصدق كيف تهادت به مراكب النجاة إلى شواطئ الأمل الأخضر بهذه السرعة:

- أتعلمين - بادرها بذات النبرة التي يستهل بها غُرباء الحدائق حديثهم عادة - ما رأيت غادة في جمالك منذ زمن - ما غبت عن ناظري بالأمس. وهاتان العينان الساحرتان المشعتان بما يعجز اليراع عن وصفه ... أيا ريّانة العود

- أياً كنت - قالت الفتاة بنبرات ثلجية فإن عليك أن تتذكر بأني سيدة محترمة - لسوف أصفح عما اقترفت من تجاوز بحقي لسبب واحد؛ هو أن وزرك شائع بين طبقة مجتمعك! لقد طلبت منك أن تجلس، فإن كنت قد ارتأيت بأن في ذلك ما يشفع لك بمناداتي بريّانة العود فإني أتراجع عن دعوتي لك

- استميح عذرك سيدتي - قال الشاب وقد استحال شعوره بالبهجة إلى إحساس بالندم والخزي - لقد أخطأت في حقك، لكنك تعرفين أن بعض فتيات المتنزهات ... أقصد ... تعرفين ما أرمي إليه.

- دع هذا الموضوع جانباً من فضلك، أنا بالطبع أعرف ما تقصد، وأخبرني ما قصة هؤلاء الناس الذين تغص بهم ممرات المنتزه - إلى أين يتجهون؟ ولِمَ هم في عجلة من أمرهم وهل هم سعداء

وتخلى الشاب عن الأمر برمّته ... وكان يفكر فيما عساه يضطلع به من دور ... كانت فتاة غير عادية:

- في مراقبتهم متعة بالغة - قال مسايراً مزاجها - تلك هي دراما الحياة الرائعة - بعضهم ذاهب لتناول طعام العشاء - فيما يذهب البعض الآخر لبعض شؤونه - ليت لنا أن نطلع على سجلات حياتهم

- أما أنا فلا يهمني ذلك، لست محبة للاستطلاع - وإنما أجيء إلى هنا بغية أن أكون قريبة من قلب الإنسانية العظيم النابض بكل صراعات الحياة وتناقضاتها، أما دوري في الحياة فيكمن في استشراف تلك البقعة التي لا تستشعر فيها تلك النبضات أبداً.

لا ريب وأنك قد فطنت إلى ما أرمي إليه سيد -

- "باركنستاكر" رد الشاب وقد بدا متحمساً سعيداً وشعاعات من أمل زاحف تضيء دواخله.

- كلا؟ قالت الفتاة رافعةً إصبعاً رخصة - مبتسمة في رقة - لا ريب وأنك قد عرفت لتوك، إذ إنه من الصعب بمكان إبقاء أسماء وصور المشاهير بعيداً عن الصحافة - إن قبعة وخمار خادمتي تحجب شخصيتي عن كثير من العيون - ليتك رأيت عيني سائقي الخاص وهي ترمقهما بنظرات متسللة مندهشة ... هناك خمسة أسماء أو ستة لمشاهير معروفين واسمي - وليس الذنب ذنبي، فقد ولدت هكذا - هو من ضمن هذه الأسماء - لقد أفضيت إليك سيد (ستاكنبوت) بمكنون ذاتي ...

- (باركنستاكر) قال بتواضع مصححاً.

- سيد (باركنستاكر) لأني أن أتحدث ولو لمرة في حياتي مع إنسان طبيعي ما أفسده الجاه والنعرة الطبقية الاجتماعية الجوفاء ... أواه ... أنت لا تدرك حجم معاناتي، لا شيء حولي سوى المال والمال ... ثم المال وأناس لا يختلفون عني بشيء، لقد سئمت من كل شيء؛ الثروة والجاه والمجوهرات والسفر وشتى أنواع النعيم

- لقد كنت أظن أن المال هو كل شيء في هذا الوجود - جاءها صوت الشاب.

- صحيح أن الدخل الكافي هو من ضرورات الحياة - قالت - إلا أنه حين تكون الملايين بحوزتك إلى درجة ...

وأنهت جملتها بإشارة من يدها ترمز إلى القنوط

- إنها الرتابة ... هي علة ذلك وما يترتب جراء ذلك من ممارسات تسير على ذات الوتيرة ... المسارح ... النزهات ولائم الغداء والعشاء ... لقد مللت ذلك كله.

ورنا إليها السيد (باركنستاكر) باهتمام شديد:

- لطالما عشقت قراءة سير الأغنياء ومعرفة أنماط حياتهم ...

وندت عن الفتاة ضحكة موسيقية عكست انشراحاً وسعادة لا مثيل لهما:

- يجب أن تعرف - قالت في نبرة مسايرة أننا - ذوي الطبقة العليا نستمد جل سرورنا وانشرحنا عبر الخروج عن المألوف - الموضة الآن هي وضع الثلج في أقداح "الشراب" وأول من أدخلها كان أمير (تارتري) الزائر إبان تناوله طعام العشاء في (الوالدورف) ولسوف تضمحل هذه الصرعة كيما تحل أخرى مكانها تماماً كما هي الحال الآن في جادة (ماديسون), إذ إنه وإبان حفل عشاء هذا الأسبوع تم وضع قفازات صغيرة خضراء إلى جانب كل صحن كيما يستخدم إبان تناول الزيتون

- فهمت - علق الشاب بهدوء - تلك المتع الخاصة بذوي الطبقة العليا لا تظهر أمام ملأ الطبقة الكادحة

- بل إن ذلك قد يحدث أحياناً - قالت مصححة - ثم استطردت فيما يشبه الهمس - تحدثني نفسي بأن ألا أتزوج إلا إنساناً عادياً يكسب عيشه بعرق جبينه، إذ إنه أفضل ألف مرة من عالة لا صفة له على أني أظن الغلبة للأخير إذ أني قد تلقيت راهناً عرضين للزواج أحدهما من دوق ألماني كبير عانت زوجته السابقة الأمرين من قسوته، فيما أتى العرض الآخر من ماركيز إنجليزي في برودة الثلج حداً يجعلني أرجح احتمالية قبول الأول رغم نارية مزاجه - على أني أعجب مما دفعني إلى الإفضاء إليك بكل دخيلة ذاتي فأنا بالكاد أعرفك سيد (باركنستاكر)

- (باركنستاكر) - قال الشاب مصححاً - لن يتسنى لك أبداً تقييم ما أكنه لك من امتنان جراء ثقتك بي.

ورنت إليه الفتاة بنظرات هادئة تحمل في طياتها كثيراً من اللامبالاة التي تتناسب مع حجم التفاوت الاجتماعي بينما.

- ما مهنتك سيد (باركنستاكر)؟ سألته

- مهنة متواضعة جداً - على أني أطمح في تسنم مراتب أعلى مستقبلاً، أكنت جادة حينما قلت بأنك لا تمانعين في الزواج ممن هو دونك مستوى

- بالتأكيد، إلا أنه ينبغي أن تأخذ في الحسبان أني قد قلت (ربما) هناك الخاطب الألماني والإنجليزي كما أسلفت

- أنا أعمل - قال - في أحد المطاعم

وانكمشت الفتاة نوعاً: - لا كنادل؟ قالت في تردد ... لا يعيب العمل الشريف المرء على أن الخدمة الشخصية ... أعنى .

- لست نادلاً - أنا أعمل محاسباً سيدتي هناك

وأشار إلى مطعم تلألأت أنواره التي خطت بأحرف هائلة أنا محاسب هناك

وألقت الفتاة نظرة على ساعة معصمها الأنيقة ثم هبت واقفة قبل أن تعمد إلى الكتاب الذي كانت تقرأ فيه فتدسه في عجلة داخل حقيبة صغيرة تدلت من وسطها على أن الكتاب بدا أكبر من جرابه بكثير.

- وكيف تفسر عدم وجودك على رأس العمل راهناً؟ سألته.

- أعمل الآن بنظام الدوام الليلي - رد الشاب - لا تزال أمامي ساعة كاملة قبل مباشرة عملي - هل سأراك ثانية

- لست أدري - ربما التقينا صدفة كلقائنا الآن - على أني استبعد أن أقع أسيرة لهذه النزوة ثانية - عليّ أن أعود بسرعة فلدي ارتباطات عدة والسائق بانتظاري. لابد وأنك قد لمحت السيارة البيضاء تلك التي أمام المنتزه.

- السيارة ذات التروس الحمراء قال الشاب عاقداً حاجبيه

- أجل كثيراً ما آتي في هذه السيارة - والشوفير (بيير) ينتظرني هناك. إنه يعتقد أني قد ذهبت للتسوق في المجمع المقابل تخيل حياتنا تلك ... حيث نضطر أحياناً للكذب على سائقينا الخاصين

طاب مساؤك

- لكن الليل قد أرخى الآن سدوله والمنتزه بعج بكثير من الأشرار هلا اصطحبتك حتى ..

- إن كنت تكن لي أدنى تقدير فالزم مقعدك هذا ولا تتركه إلا بعد مضي عشر دقائق على مغادرتي هذا المكان - لا أقصد اتهامك بشيء على أنك تدرك أن السيارات تحمل عادة الأحرف الأولى لاسم مالكها - تصبح على خير

ومضت تشق برشاقة طريقها تطويها تجاويف الشفق الموغل في الاحمرار ... وأبخرة من غموض وشموخ تحجبها عن ناظريه وظلت عيناه تشيعانها حتى تجاوزت المنتزة واتجهت نحو السيارة الواقفة أمامه فتبعها في خطوات متعرجة مستتراً خلف شجيرات الحديقة دون أن يدعها تخرج عن دائرة بصره، وما إن حاذت السيارة الواقفة حتى .. رمقتها بنظرة سريعة وتجاوزتها بخفة ثم واصلت السير حتى عبرت الشارع ولاحقتها عينا الشاب حتى رآها تعبر الرصيف وتلج إلى المطعم ذي الحروف الكبيرة البراقة.

كان مطعماً رتيباً طليت جدرانه بالأبيض، واحتل الزجاج مساحة كبيرة منه. ودلفت الفتاة إلى جهته الخلفية ثم ظهرت ثانية وقد خلعت قبعتها وخمارها.

كان مكتب المحاسبة في الجهة الأمامية من المطعم ومن على الكرسي الجاثم خلف ماكنة الصرافة انزلقت فتاة شعرها أحمر مشيرة إلى الساعة إبان ذلك، وسارعت ذات الرداء الرمادي بامتطاء الكرسي ذاته، أما الشاب فوضع يديه في جيوب بنطاله ثم عاد مجتازاً الرصيف ذاته، وعند المنعطف اصطدمت قدمه بكتيب صغير أطاره الارتطام فوقع منه غير بعيد، وأنعم فيه النظر فأدرك أنه الكتاب الذي كانت الفتاة تقرأ فيه، وبلا مبالاة التقطه وقرأ عنوانه. كان كتاب "الطبعة الجديدة لألف ليلة وليلة" تأليف الكاتب (ستيفنسون) وألقى به جانباً ... ثم ... طفق يجول لدقيقة دون هدف معين ثم قفز إلى السيارة البيضاء واسترخى على الوسائد المخملية قبل أن يقول للسائق آمراً: - إلى النادي يا (هنري)

.  ...!. ؟  .!...؟.  ...    .  !   ؟ . ؟ .! . .!..y

 

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا