أعرف جيدا أن الإنسان لا يموت أثناء الحلم .. إذ يستيقظ دائما قبل لحظة الموت*.. لكن .. تكرار الأمر بهذه الصورة المخيفة جعل حياتي جحيما .. حتى بت أخشى الذهاب إلى الفراش .. ولك أن تتصور معنى الحياة التي يكون فيها المرء عاجزا عن النوم بطمأنينة !!! .. إن الوغد ليس بحاجة ليقتلني كي يقتلني .. ولا يوجد خطأ أو تناقض في عبارتي تلك .. فأنا أموت قلقا ورعبا مائة مرة في اليوم !!!.
راحت بعدها تنظر إلى الضابط الذي أردف مؤيدا:
قد يكون هناك شيئا مرتبطاً بزوجها .. ربما هو فن الاتصال بالموتى الذي كان يتعامل به .. أعتقد أنه بعد وفاته .. أصبحت روحه على دراية بكيفية الاتصال
*حقيقة.
بالأحياء بما أنه عرف كيف يتصل بالموتى خلال حياته !!! .. لا أعرف .. الأمر شديد الغموض كما ترى .. حتى أنني في البداية لم أصدق (هبة) واقترحت عليها مراجعة طبيبا نفسيا ظنا مني أنها مشكلة نفسية فحسب .. إلى أن حدثت الكارثة قبل بضعة أيام !!!!.
نظرت إليهما مشدوها غير مصدق أن الضابط يؤيد (هبة) تماما ويصدق كل كلامها .. لتكمل هي:
تماما .. لقد كنت أتحدث مع إحدى صديقاتي عبر هاتفي النقال قبل أيام قليلة فحسب .. ثم سمعت صوتا متداخلا في المكالمة يقول بوضوح شديد: ((لن أتوقف أيتها اللعينة .. سأزورك في أحلامك كل ليلة وأحيل حياتك جحيما إلى أن أقتلك أخيرا)) !!! .. أعرف أنك لن تصدقني .. بل أنا نفسي لم أصدق ما سمعته في بادئ الأمر .. لقد حاولت إقناع نفسي في البداية أن الأمر ربما لا يتعدى وجود خلل أو تداخل في خطوط الهاتف .. أو أن صديقتي قد افتعلت ذلك الصوت .. لكن .. لن أكذب على نفسي .. الصوت كان صوت زوجي !!! .. نعم .. أنا واثقة من ذلك .. أرجوك لا تقل أنني واهمة .. لست واهمة على الإطلاق .. لقد كان صوت زوجي الميت بالفعل .. عندها فقط .. شعرت بأنني ضائعة تماما .. وأن مصيري بأكمله بين يديه !!! .. لقد كنت أخشاه كالموت ذاته أثناء حياته .. وها أنا أشعر بذات الخوف بعد وفاته .. حتى أنني قلت ما حدث لأقرب صديقاتي .. فاقترحت علي الاتصال بشقيقها الضابط .. لألتقي به وأخبره بكل ما حدث .. وها هو يقف إلى جانبي ويحاول مساعدتي.
رحت أنظر إليهما ببلاهة .. قبل أن أتمالك أعصابي .. وأقول بحكمة الطبيب النفسي:
إنك مخطئة تماما بظنونك .. فأنت تتحدثين عن احتمال حدوث جريمة قتل سيرتكبها شخص ميت !!! .. سيدتي .. يبدو أنك عشت مع زوجك أوقاتاً عصيبة .. ولا شك أنها قد أثرت على حالتك النفسية كثيرا .. وما يحدث لك من أحلام وكوابيس هو نتاج طبيعي لما مررت به من عذاب
.. المعذرة ولكن العلم لا يعترف بمواضيع الأشباح واتصالات الموتى تلك .. وأنا كرجل علم أرى أن الأمر لا يتعدى أعراض نفسية متوقعة بسبب قسوة زوجك .. فعقلك الباطن لا زال يخشاه رغم وفاته .. وهذا ما يجعلك تحلمين به طوال الوقت مع ظهور تهيؤات أخرى متوقعة تماما .. مثل سماع صوته عبر الهاتف مثلا .. العلم لا يعطيك أوهاما يا سيدتي .. فهو يتعامل فقط مع الحقائق .. حتى لو كانت قليلة .. لكنها حقائق مؤكدة وهذا هو المهم.
قال الضابط - الذي لم يخبرني باسمه - بحزم شديد:
أرجوك أن تصدقها يا دكتور .. المعذرة .. أنا لست طبيبا نفسيا .. لكني واثق أنه لا توجد أي أوهام إن كان هذا ما تظنه .. فالفتاة لن تحلم بنفس الشخص كل ليلة .. أليس هذا دليلا على صدقها ؟!!.
قلت بحزم:
تذكر أننا لا نتحدث هنا عن أدلة مادية يا حضرة الضابط .. بل عن أحلام .. حتى وإن تكررت .. فهذا لا يعني شيئا سوى انعكاس لحالة (هبة) النفسية .. لا يمكن أن نتعامل مع الأمر على أنه تهديد صريح بالقتل وإلا لما لجأتم إلي .. أليس كذلك ؟!!!.
رد بتوسل واضح أمام نظرات الفتاة القلقة:
يا دكتور .. أعرف أنه لا توجد قضية هنا .. فما نقوله لك لا يحكمه قانون .. وأنا رجل أنفذ القانون كما تعلم .. ولا يوجد أي شيء قانوني أستند عليه لمتابعة قضيتها .. إن زوجها ميت .. وهذا ينهي القضية من الناحية القانونية .. أدرك ذلك جيدا .. ولهذا لجأنا إلى الطب النفسي .. ربما تستطيع أنت مساعدتها !!!.
سألته باستغراب:
ولماذا لجأتما إلى الطب النفسي أصلا إن كنتما لا تريدان أن تأخذا بكلامي ؟!!.
بدا سؤالي هذا وكأنه صفعة على قفا كل منهما .. إذ بهتا تماما .. خاصة الضابط الذي لم يعرف كيف يجيب كونه صاحب فكرة زيارة مستشفى الطب النفسي .. يبدو أنه اقترح ذلك كي يكون بجانب (هبة) فحسب .. إنه يحبها دون شك .. يبدو أنها من تلك اللحظات الخاطفة التي ترى فيها فتاة ما وتشعر أنك تحبها وتريد أن تكون بقربها .. فلو اعتذر منها في أول لقاء بينهما وأخبرها بعدم قدرته على مساعدتها لانتهى الأمر .. ولما تمكن من البقاء بجانبها بعد ذلك.
كان واضحا أنني محق في كلامي .. إذ لم يرد الضابط على سؤالي .. بل نهض من مكانه متأهبا للخروج وعلامات الحرج واضحة على ملامحه .. لكن .. نهضت الفتاة فجأة بذعر وهي وتقول بعينين دامعتين وكأنني الأمل الأخير لإنقاذ حياتها:
أرجوك .. أرجوك يا دكتور .. لا يوجد من يستطيع أن يساعدني .. إنني أموت .. أموت ببطء شديد .. أرجوك أنقذني من عذابي !!! .. إنني أتعذب في نومي .. وحتى في يقظتي .. أصبحت أخشى كل شيء .. أخشى دخول الحمام في الليل .. وحتى عندما أكون متواجدة فيه .. تجدني أزيح ستار حوض الاستحمام بقلق ورعب حقيقيين لأرى إن كان الحوض يخفي شيئا !!! .. حتى عندما أغمض عيني أثناء الاستحمام لأغسل شعري .. أتساءل بذعر إن كان هناك شيئا يحدث حولي .. إنني ألتفت يمينا ويسارا طوال الوقت يا دكتور .. أرجوك افهمني !!!.
لم أجد ما أقوله أمام هذه التوسلات .. فنظرت إليها طويلا .. ونظرت إلى الضابط الذي راح ينظر إلي بدوره بمزيج غريب من الأمل والغيرة .. ثم .. قلت وأنا أزفر بقوة:
لماذا لا تسمحين لي بفحصك وإقامة بعض الجلسات العلاجية لك ؟!! .. أنا لا أتهمك بالجنون .. ولكن .. ليس كل من يراجع طبيبا نفسيا يصنف كمجنون .. إن ما يحدث لك ليس سوى تراكمات من العذاب النفسي الذي مررت به .. أستطيع أن أساعدك بهذه الطريقة بكل تأكيد .. أما إذا كنت تريدين مساعدتي من خلال تصديق قصتك فهذا مستحيل لأنني لا يمكن أن آخذها مأخذ الجد.
قالت بحدة:
هل لك أن تفسر لي إذاً كيف سمعت صوته عبر الهاتف وهو يهدنني بالقتل ؟!.
سألتها مبتسما بثقة:
لقد قلت أنك كنت تتحدثين مع صديقتك عندما سمعت صوته فجأة وهو يهددك بالقتل .. حسنا .. هل سمعت صديقتك صوته أيضا ؟؟!!.
هزت رأسها نفيا باستسلام واضح .. فاتسعت ابتسامتي وأنا أقول:
هل رأيت ؟! .. إنني على حق .. إنها أوهام لا أكثر .. ثم لو كانت أشباح الموتى موجودة وتستطيع الاتصال بنا بهذه الوسيلة .. لاتصل الأشباح بجميع أقاربهم الأحياء أليس كذلك ؟!! .. المعذرة لكن الفكرة هزلية إلى حد ما.
ردت بأسى:
لقد قرأت بعضا من كتب زوجي ومذكراته .. حيث يرجح فيها أن شبح الميت لا يعرف عادة كيف يتواصل مع الأحياء إلا إذا كان الشبح نفسه لشخص قد تعلم قبل وفاته كيفية الاتصال بالموتى .. تماما كما حدث مع زوجي .. وإلا لتمكنت كل الأشباح من الاتصال بنا كما تقول.
رددت معترضا:
يا عزيزتي .. لا تحدثيني عن الأشباح .. أرجوك .. قلت لك سابقا .. لا توجد مصطلحات كهذه في كتب الطب النفسي .. لكني لن أتركك وحيدة على كل حال .. سأقدم لك كل ما تحتاجينه من عون إلى أن يختفي ظهور زوجك في أحلامك .. بعض الجلسات العلاجية سيكون لها تأثيرا إيجابيا عليك .. ثم .. حاولي أن تخرجي قليلا من جو الكآبة هذا .. أخرجي مع صديقاتك .. سافري إلى الخارج لبعض الوقت .. ربما من الأفضل أيضا أن تنامي في مكان آخر غير بيت زوجك .. إذ يبدو أن له تأثيرا سلبيا على حالتك النفسية !!!.
ردت باستنكار:
هل تظن أنني لم أفعل ؟!! .. بكل تأكيد فعلت .. فأنا الآن أعيش في بيت والدي .. لا يمكن أن أبقى في بيت زوجي بعد ما كل ما حدث .. بل أن البيت معروض الآن للبيع .. لكن هذا لن ينقذني من شيء .. فالوغد لن يتركني في حالي أبدا
.. إنه .....
لم تكمل عبارتها .. بل سكتت تماما وقد تذكرت أنني لا أصدق حرفا مما تقول .. فنظرت إليهما مبتسما طالبا منهما - بكل أدب - الخروج لأن هناك بعض المرضى ممن يجب علي فحصهم وإخضاعهم لجلسات علاج .. خاصة وأنها لا تنتظر مني علاجا نفسيا .. بل تريدني أن أصدق قصتها وأحاول مساعدتها على هذا الأساس دون أن تخبرني كيف .. قلت هذا .. واستأذنتهما للرحيل وسط نظرات الاعتراض منهما.
تركتهما وتوجهت إلى الباب .. فتبعاني بيأس .. إلى أن الضابط قد أمسك بذراعي وجرني بعيدا وهو يرجوني ويتوسل إلي أن أجد حلا لهذه المشكلة .. إذ بدا لي أنه متيم ب(هبة) ويذوب في غرامها !!! .. وقد أشعرني هذا بشيء من الضيق .. حتى أنني تحدثت معه بكل صراحة وطلبت منه الابتعاد تماما عن عواطفه أثناء تأدية واجبه .. فرد بصوت العاشق المحب الذي لا يمكن أن أخطأه:
يا دكتور .. هذه الفتاة تحتاج إلى مساعدة .. ولن أتخلى عنها أبدا .. سأكون إلى جانبها .. على عكسك أنت !!!.
قلت بامتعاض:
هذا حقك .. لا أملك سلطانا عليك .. لكن .. لا تجعل عاطفتك تحكم حياتك .. ولا تتأثر كثيرا لمجرد أن من طلبت مساعدتك هي فتاة جميلة .. أرجوك تذكر هذا.
لم يرد علي .. بل نظر إلي بأسف .. ثم خرج برفقة (هبة) وهو يواسيها ويخبرها ألا تستمع إلى ذلك الأحمق - الذي هو أنا - وأنه سيكون إلى جانبها مهما حدث .. و .. شيئا فشيئا .. نسيت الموضوع تماما مع زحمة الحياة اليومية .. خاصة وأن (هبة) لم تمتثل لنصيحتي ولم تزرني بعدها للخضوع لجلسات العلاج النفسي كما طلبت منها.
لكن .. لم تنتهي القصة عند هذا الحد .. إذ حدثت بعدها تطورات سريعة وغريبة للغاية جعلتني أغرق تماما في تفاصيل هذه القصة .. فبعد حوالي أسبوعين .. فوجئت بزيارة ضابط شاب في مثل سني تقريبا مرتديا زيه العسكري .. ليخبرني بأسى وبعينين مليئتين بالدموع:
(هبة) .. (هبة) يا دكتور .. لقد .. لقد ماتت مساء أمس !!!.
سألته بغباء:
(هبة) من ؟!.
رد بأسى:
الأرملة الصغيرة التي قالت أن زوجها الميت يظهر لها في أحلامها ويهددها بالقتل .. هل تذكر ؟!!.
يا إلهي .. تذكرت الآن !!!! .. لم أعرف الضابط في بادئ الأمر .. إذ بدا مختلفا بلباسه العسكري .. لكن .. مهلا .. يقول أن (هبة) ماتت ؟؟!! .. نهضت من مكاني لا شعوريا وأنا أنظر إليه بدهشة بالغة .. قبل أن أقول وأنا أزدرد لعابي:
كيف ؟! .. كيف ماتت ؟!.
قال وهو يمسح دموعه:
لقد كانت تسكن عند والديها كما تعلم .. حيث وجدت مقتولة في غرفة نومها .. تقول والدتها أنها ذهبت لتوقظها من النوم بعد أن ظلت ابنتها نائمة إلى فترة الظهيرة على غير العادة .. فدخلت غرفتها ووجدتها ميتة وقد تحول وجهها إلى اللون الأزرق .. فبدا واضحا من الفحص الأولي أنها ماتت مخنوقة .. يبدو أن المسكينة كانت على حق .. لقد قتلها زوجها اللعين خنقا أثناء نومها .. لا أعرف كيف حدث ذلك !!!.
نظرت إليه طويلا .. قبل أن أتنحنح وأقول بحزم لا يخلو من الأسف:
رحمها الله .. إنها .. إنها جريمة قتل عادية .. ما حدث لا يعني أن كلامها كان صحيحا يا حضرة الضابط .. لقد كانت الفتاة مضطربة نفسيا كما بدا لي .. لا يمكن أن تقنعني أن شبح زوجها الميت قد عاد ليقتلها .. مستحيل .. كيف يا رجل ؟!! .. لا يوجد شيء كهذا في عالم الواقع .. لا توجد أشباح يا عزيزي .. فكيف بأشباح ترتكب جرائم قتل ؟!! .. هذا هراء !!!.
سألني بغضب لا يخلو من الحزن وكأنه يلومني على ما حدث:
من قتلها إذا ؟؟!! .. أخبرني.
قلت بحدة:
ربما انتحرت .. ربما تكون جريمة قتل عادية بعيدا عن الأشباح .. لا شك أن تحقيقاتكم المكثفة ستكشف كل شيء في النهاية .. أرجوك .. فكر جيدا بما كانت تقوله الفتاة بعيدا عن عواطفك تجاهها .. كانت تقول أن زوجها الميت يهددها في أحلامها ؟؟!! .. وهي وحدها التي سمعت صوته عبر الهاتف وهو يهددها بالقتل أثناء محادثتها مع صديقتها ؟؟!! .. هل تبدو لك هذه الأمور طبيعية ؟؟! .. هل تجد من يصدق هذه الأمور شخصا سويا ؟؟! .. إذا كنت ستبدأ حياتك العملية في سلك الشرطة مستسلما للخرافات .. فهذه مصيبة حقيقية.
نظر إلي طويلا حتى شعرت للحظة أنه سينقض علي ويلكمني في وجهي .. ربما لا يمنعه من ذلك سوى الخوف من تدمير مستقبله المهني .. فاكتفى بهز رأسه بأسف واضح .. واستدار سريعا خارجا من الغرفة وعيناه لا زالتا تذرفان الدمع بشكل بدا غريبا كونه يرتدي الزي العسكري الذي اعتدنا أن نرى معه الصرامة والحزم !!!!.
تركني أخيرا في غرفتي .. وقد شعرت بشيء من الحزن لما حدث ل(هبة) .. لكن .. كنت لا أزال واثقا من رأيي .. أشباح واتصال بالموتى .. زوجها الميت يهددها بالقتل عبر الهاتف ثم يخنقها في أحلامها .. أي هراء هذا ؟! .. ثم لماذا يلومني أنا ؟!! .. هل كان هناك ما أستطيع فعله حتى وإن صدقت كلام (هبة) ووقفت إلى جانبهما ؟!! .. بالطبع لا.
جلست على كرسي المكتب .. وأخذت نفسا عميقا محاولا نسيان ما حدث ظنا مني أن القصة انتهت عند هذا الحد وأنني لن أرى الضابط مرة أخرى .. وقد كنت محقا في تصوري هذا .. لكن بصورة أخرى لم أتوقعها إطلاقا !!!.
فقد تلقيت علقة ساخنة - وللمرة الثانية - أعادتني سريعا إلى أجواء هذه القصة العجيبة !!! .. فبعد يومين فحسب على زيارة الضابط لمكتبي .. حدث أمر آخر مفاجئ ولا يخطر ببال .. عندما جاءني اتصال على هاتفي النقال في وقت متأخر من الليل .. كان الاتصال هذه المرة من رقم غريب ليس محفوظا في سجلات الهاتف .. فأجبت بشيء من الفضول .. و:
دكتور .. أرجوك اسمعني قليلا .. لقد .. لقد بدأت أحلم ب(هبة) !!! .. الأرملة الصغيرة .. هل تذكرها ؟؟! .. إنها تزورني في أحلامي وترجوني أن أنقذها من زوجها .. إنه يلاحقها حتى بعد موتها !!! .. يطاردها في عالم الأشباح !!! .. أرجوك صدقني .. لا أجرؤ على قول هذا الكلام لأي شخص آخر .. لكن .. أنت على الأقل تعرف القصة من بدايتها - وإن لم تصدقها - ولن تسألني تلك الأسئلة الغبية التي قد يطرحها أي شخص يستمع إلى القصة لأول مرة !!!.
عرفت صوته هذه المرة بالطبع .. فقلت بعصبية واضحة وقد شعرت أن الأمر يتجاوز الحدود:
اسمعني جيدا .. يجب أن تكف عن هذا الهراء .. لن أسمح لك بإضاعة وقتي بهذه المواضيع مرة أخرى .. ولن أسألك عن كيفية حصولك على رقم هاتفي النقال .. لكن .. يبدو أنك تستغل نفوذك كرجل أمن بصفاقة !!!.
رد بغضب حقيقي وهو يعض على أسنانه كما بدا من صوته:
اسمعني أيها اللعين .. لقد كنت أنا من المتابعين لقضية (هبة) بعد موتها .. وعرفت من تقرير الطبيب الشرعي أنها ماتت مختنقة بالفعل رغم صعوبة دخول أي شخص للبيت وخنقها ثم الهرب مثلا .. فباب الغرفة كان مقفولا من الداخل .. والغرفة في الطابق الثاني .. وشبّاكها كان مغلقا من الداخل أيضا .. فهل لك أن تخبرني كيف ارتكب القاتل جريمته ؟؟! .. ثم أنني قمت بتفتيش بيت زوجها بدقة بعد الحصول على إذن من النيابة .. ووجدت هناك عشرات الكتب التي أخبرتنا عنها (هبة) واللي اطلعت بنفسي على بعضا منها في السابق .. هل تذكر ؟؟! .. حتى أنني أخذت بعضا من هذه الكتب وقرأتها .. العديد منها كتب نادرة وقديمة جدا .. لكني لم أحتمل الاحتفاظ بها أكثر من ذلك .. لقد شعرت أنها كتلة من الشر .. فقمت بحرقها كلها .. ولكن .. المشكلة أنني بدأت أحلم ب(هبة) وهي ترجوني وتطلب مني إنقاذها من زوجها .. بل ورأيت زوجها في الحلم !!! .. لقد بدا لي مخيفا بنظراته الشيطانية .. في حين بدت هي كالفراشة الرقيقة التي تريد من يحميها .. أرجوك افهمني .. إن اللعين يلاحقها في عالم الأشباح ولن يتركها أبدا كما يبدو .. إنني .....
لم أحتمل أكثر .. فقلت بصرامة:
هذه هي المرة الأخيرة التي أسمعك تتحدث فيها عن أمر كهذا .. ولو فعلت .. فأقسم لك أنني سأتقدم بشكوى رسمية ضدك .. هل فهمت ؟!!.
سكت طويلا .. قبل أن أشعر به عبر الهاتف وهو يبتلع لعابه .. لينهي المكالمة بأسى:
حسنا يا دكتور .. شكرا على كل شيء !!!!.
قالها ولم أنتظر منه أن يقفل الساعة .. بل أقفلتها بنفسي .. وذهبت إلى الفراش وأنا ألعن الغباء وألعن الخرافات وألعن الضابط .. و .. نمت أخيرا.
في فترة الظهيرة من اليوم التالي .. استيقظت من النوم مستعدا للذهاب إلى المستشفى في النوبة المسائية .. شاعرا بشيء من الضيق بسبب الطريقة التي تحدثت فيها مع ذلك الضابط .. فهو لا يقصد الضرر بأحد .. وإن كان يتصرف بغباء يثير جنوني !!!.
المهم أنني شعرت بشيء من تأنيب الضمير بسبب معاملتي له .. وشعرت أيضا برغبة حقيقية في الاتصال به والاعتذار منه .. فأمسكت بهاتفي النقال .. وبحثت عن رقمه ضمن قائمة الأرقام التي وردت إلى هاتفي .. لحظات قليلة قبل أن أضع السماعة على أذني منتظرا أن يرد الضابط على اتصالي .. لكني .. لكني .. لم أكن أتوقع إطلاقا ما سيحدث .. فقد رد على الهاتف صوتا غريبا يتحدث بحزن بالغ .. إنه شقيق الضابط .. نعم .. تماما كما تظنون .. لقد توفي الضابط مساء أمس في وقت متأخر !!!!.
كانت صدمة مروعة .. حتى أنني شعرت بذنب شديد لكل ما قلته له في المرات القليلة التي تحدثنا فيها .. ووجدت نفسي أبكي بحرقة نتيجة ما حدث .. .. قبل أيام قليلة كان الرجل جالسا في مكتبي معتدا بنفسه ويحاول حماية (هبة) .. كان يملأ البصر .. لكنه الآن تلاشى من عالمنا .. يا إلهي .. في كل مرة يموت فيها أحد معارفنا موتا مفاجئا تتكرر فيها تلك اللحظات ونشعر بالرهبة !!!.
أخذت عنوان مكان العزاء من شقيقه .. وذهبت إلى هناك في يوم الوفاة بعد الدفان .. فوجدت والديه وأشقائه يبكون بحزن شديد .. وبالطبع كان لا بد من الكثير من المواساة والعزاء .. وكان لا بد أيضا من سماع تلك العبارات التي تتحدث عن الشاب الذي مات قبل أن يعيش شبابه وعن مستقبله الذي ذهب أدراج الرياح .. عبارات مكررة .. لكنها تصيبك في الصميم كل مرة تسمعها.
بعد أكثر من نصف ساعة .. تمكنت من التحدث مع شقيق الضابط .. فأخبرني أن المرحوم قد سقط من على السلم وانكسرت رقبته .. إنه حادث يقع في كل مكان وطوال الوقت .. هذا حادث قد يفسره الجميع على أنه قضاء وقدر بكل تأكيد .. لكن بالنسبة لي .. وجدت أنها صدفة غريبة أن يلحق بحبيبته بعد موتها بفترة بسيطة .. لذا .. سألته إن كان هناك أي شيء مريب متعلقا بموته .. فأخبرني شقيقه أن المرحوم تلقى اتصالا على هاتفه النقال أثناء نزوله من على الدرج للجلوس في غرفة المعيشة مع والدته وشقيقاته .. ويبدو أن الاتصال فاجئه كثيرا .. أو قد يكون المتصل أخبره بشيء ما أطار صوابه .. فاختل توازنه أثناء نزوله .. وتعرقلت قدمه أو تزحلقت (لا فارق) .. ليقع على درجات السلم وينزلق إلى الأرض بعنف لتنكسر رقبته ويلقى حتفه مباشرة .. تماما كما نرى في مشاهد السينما !!!.
عندما ذكر شقيق الضابط أمر الاتصال الهاتفي .. ارتج جسدي بقوة وازدردت لعابي بصعوبة .. ثم سألته أن كانوا قد عرفوا هوية المتصل على الأقل .. إلا أنه هز رأسه نفيا وقال أن رقم المتصل لم يكن موجودا على شاشة الهاتف !!! .. وكأن الاتصال قادم من جهاز كمبيوتر ربما .. أو بواسطة أحد الوسائل الكثيرة التي يخفي فيها المتصلين هويتهم.
راح قلبي ينبض بعنف .. من الذي اتصل به ؟!! .. لماذا لم يظهر رقم المتصل على شاشة الهاتف ؟!! .. لماذا أخافه الاتصال إلى هذا الحد لدرجة أنه أخل بتوازنه وتسبب بموته ؟!!! .. يا إلهي .. يا إلهي .. هل .. هل .. هل كان الضابط المسكين محقا ؟؟!! .. لقد شعرت بأنني وغد حقيقي لأنني لم أصدقهما .. ترى .. هل كانت الفتاة محقة أيضا بدورها ؟؟!! .. هذا لا يمكن أن يحدث .. ل .. ل .. لأول مرة في حياتي أبدأ بتصديق أمورا كهذه .. كل ما يحدث حولي يدل على صدق الفتاة والضابط رحمهما الله .. إذ رحت أكابر بعناد واضح طوال الوقت وأتمسك بقواعدي العلمية السخيفة !!!.
وأمام كل ما حدث .. لم أجد ما أقوله لشقيق المرحوم .. فأومأت برأسي متفهما .. ورحت أكرر تقديم العزاء للجميع .. قبل أن أخرج عائدا إلى مكتبي في المستشفى .. ووجدت نفسي أبكي مرة أخرى دون توقف .. حتى أنني رحت أصيح بصوت مرتفع في السيارة:
إن كنتما تسمعاني .. أرجوكما أن تسامحاني على ما حدث .. لقد كنت أحمقا .. لم أستمع إليكما ورفضت الاعتراف بأن هناك أمور خلف إدراكنا في هذا العالم .. كان يجدر بي أن أصدقكما .. أرجوكما أن تسامحاني !!!.
كنت أقول هذا الكلام وأنا أقود سيارتي عائدا إلى المستشفى للنوبة المسائية .. حتى أن جميع زملائي هناك قد شعروا بالقلق بسبب منظري المزري .. إذ كنت أبدو تائها تماما وعيناي زائغتان وكأن عمري قد زاد 10 سنوات دفعة واحدة .. فالتف بعضهم حولي للسؤال عما جرى لي .. لكني التزمت الصمت تماما .. وتركتهم وعلامات الاستفهام واضحة على ملامحهم .. قبل أن أدخل إلى غرفتي وأغلق الباب على نفسي .. لحسن الحظ أن نوبتي ستبدأ بعد نصف ساعة من الآن .. لن أستطيع متابعة أي مريض وأنا في حالة نفسية كهذه.
رحت بعدها أبكي وأنتحب في مكتبي للمرة الثانية أو الثالثة - لا أذكر - كالنساء .. الشعور بالذنب يقتلني رغم قناعتي التامة أنه لم يكن هناك شيئا يمكنني فعله لإنقاذ الفتاة أو الضابط .. إلا أن هذا لم يكن يكفي لإبعاد الشعور بالذنب .. فعدم تصديقهما كان كافيا كي أشعر بكل هذه المشاعر السلبية !!!.
و .. بعد ساعات طويلة ثقيلة جدا على نفسي .. انتهت نوبتي المسائية أخيرا .. لأقود سيارتي عائدا إلى البيت في وقت مبكر جدا من صباح اليوم التالي شاعرا بإرهاق ونعاس لا حدود لهما .. رحت أقود سيارتي وسط الأمطار الغزيرة التي تهطل عادة في مثل هذا الوقت من شهر (ديسمبر) .. ليرن جرس هاتفي النقال فجأة .. إنها والدتي بكل تأكيد .. نظرت إلى شاشة الهاتف لأعرف هوية المتصل .. إنها والدتي بالفعل .. يبدو أنها استيقظت مبكرا للغاية كعادتها .. وها هي تتصل بي لتطمئن على موعد عودتي إلى البيت .. و:
كيف حالك يا ولدي .. أرجوك احترس من الأمطار الغزيرة ولا تقد سيارتك بسرعة.
رحت أستمع إليها وأحدثها بشرود بعد أن أعادتني إلى عالمنا المعتاد بعيدا عن الأشباح والموتى .. كنت أتحدث إليها وأفكر جديا - بنفس الوقت - أن آخذ إجازة طويلة وأسافر بعيدا عن كل ما حدث .. قبل أن أشعر أن هناك من يستمع إلى مكالمتنا .. شخص ثالث دخل على الخط .. ثم .. سمعت صوتا مميزا يتحدث عبر الهاتف .. صوتا هادئا للغاية يقول بكل وضوح:
دكتور .. (هبة) بمأمن الآن .. إنني معها .. سأحميها من زوجها ولن يتعرض لها بعد اليوم !!!!!!.
لن تحتاج عزيزي القارئ إلى ذكاء لتعرف صاحب الصوت .. إنه صوت الضابط .. نعم .. الضابط الذي توفي بالأمس !!! .. بالطبع أصبت بصدمة مروعة .. بل وشهقت بعنف وبشكل أخاف والدتي كثيرا .. لكني تداركت نفسي وقلت لها متلعثما:
المعذرة يا أمي .. يجب أن أتركك .. الطريق زلق للغاية .. وأحتاج إلى تركيزي كاملا لقيادة السيارة.
فتركتني المسكينة وهي تدعو لي أن أصل بالسلامة وتحذرني من السرعة الزائدة .. أما أنا .. فقد ظللت ممسكا بالسماعة .. عل أحدهم يتحدث معي .. علني أسمع صوتا آخر .. لكن .. لم يكن هناك أي شيء آخر !!!.
ركنت سيارتي على جانب الطريق وأنفاسي تتضارب بقوة من هول الأحداث .. أتذكر جيدا أن (هبة) رحمها الله قالت أنها سمعت صوت زوجها الميت يحدثها عبر الهاتف ويهددها بالقتل وأنه سيحيل حياتها جحيما .. لكني لم أصدقها في حينها .. إلا أنني الآن أصدقها تماما .. بل وأجزم أنها محقة .. خاصة بعد أن سمعت بنفسي صوت الضابط الميت وهو يتحدث إلي عبر الهاتف .. فلا يمكن أن أكذب أذني أيضا .. لقد كان هذا صوت الضابط بالفعل .. كان يحدثني أنا فقط .. لأن والدتي لم تسمع شيئا مما قاله كما يبدو .. وإلا لكانت هناك ردة فعل منها .. فقد بدت مستغربة بسبب تصرفي المفاجئ عبر الهاتف فحسب .. وليس لأي شيء آخر.
أفكر .. وأفكر وأشعة الشمس بدأت تخترق عالمنا وتصل إلى كل ركن فيه بعد انقشاع الغيوم .. الآن فقط أعرف جيدا أن هناك بالفعل عالما آخر نجهله !!! .. وأن هذه الفتاة كانت صادقة إلى أبعد الحدود .. وكذلك الضابط المسكين .. رحمهما الله معا.
لقد بدأت ألوم نفسي كثيرا على ما حدث .. لكن .. عزائي الوحيد الآن هو الاتصال الذي جاءني من الضابط .. إنه مع (هبة) الآن بعد موتهما .. لقد التقيا مرة أخرى في عالم الأشباح .. وهو يحميها من زوجها المجرم .. هذا ما قاله بنفسه منذ قليل.
لكن .. هناك أسئلة كثيرة تظل مطروحة دون جواب واضح .. كيف سقط الضابط من على الدرج ليلقى حتفه ؟!! .. هل هي صدفة ؟!! .. يقول شقيقه أنه رد على الاتصال الهاتفي أثناء نزوله من على السلم .. وقد بدا مصعوقا من هوية المتصل إلى حد أطار صوابه وجعله لا ينتبه إلى درجات السلم .. فاختل توازنه ووقع .. هذا ما عرفناه جميعا.
فهل كان المتصل هو (هبة) نفسها ؟؟!! .. هل اتصلت به كما اتصل بها زوجها الميت أثناء وجودها على قيد الحياة وهددها بالقتل ؟!!.
أكرر السؤال الذي يقتلني قتلا .. هل موت الضابط صدفة ؟؟!! .. أم أن الله سبحانه وتعالى قد أرسله لينقذ (هبة) ؟!! .. ماذا عن (فن الاتصال بالموتى) هذا ؟!! .. كيف عرف الضابط بالوسيلة المناسبة للاتصال بي ؟!! .. لا شك أنها وسيلة عسيرة للغاية ولا يعرفها عامة الناس .. ولا حتى عامة الموتى .. وإلا لاتصل شبح كل ميت بأهله !!! .. مهلا .. لقد قرأت هي بدورها مذكراته .. وربما تعلمت منها الوسيلة للاتصال بالضابط بعد موتها !!!.
أما الضابط .. فأتذكر أنه تحدث عن استصدار إذن من النيابة لتفتيش بيت زوج (هبة) .. وقد أخبرني أنه قرأ تلك الكتب والمذكرات ثم قام بحرقها بعد أن عرف محتواها مرتكبا بذلك مخالفة قانونية جسيمة كما نعلم .. ربما تعلّم من تلك الكتب أسرار ذلك الفن المخيف واستخدمه ليتصل بي بعد موته !!! .. ثم هناك سؤالا آخر بالغ الأهمية لم يطرأ ببالي سوى الآن .. كيف ماتت (هبة) ؟!! .. كيف قتلها زوجها الميت أصلا ؟!! .. كيف خنقها حتى الموت ؟!!.
يقول العلم أن النبضات الكهربائية هي ما يتحكم في العقل البشري .. فالأفكار والعواطف والانفعالات هي نتاج تلك النبضات الكهربائية .. ويقول العلماء أيضا أن كل المشاعر البشرية كالحب والكراهية والشعور بالاختناق والموت لها شحناتها الكهربائية الخاصة التي يرسلها المخ للجسد .. فإذا كان الزوج قد تعلم فن الاتصال بالموتى من خلال أسلاك الكهرباء وأجهزة التسجيل .. فربما استطاع أيضا أن يتحكم بالشحنات الدماغية البشرية الخاصة بالاختناق !!! .. ربما يكون قد زار زوجته في عالم الأحلام وهي نائمة بطبيعة الحال .. وتسلل إلى الموجات الكهربائية في دماغها وتحكم بها حتى تظن زوجته المسكينة أنها تختنق فعليا .. فالجسد يصدق ما يخبره به الدماغ .. حتى لو كان ما يخبره به الدماغ غير صحيح* .. هذه قاعدة علمية معروفة.
ربما تحكّم زوجها الميت بالشحنات الكهربائية الخاصة بدماغها أثناء نومها .. وأعطاها إشارات عصبية خاطئة توحي لها بأنها تختنق .. فزحفت تلك الإشارات
*حقيقة.
العصبية إلى نخاعها المستطيل لتحاصر مركز التنفس .. فظنت المسكينة أن هناك من يخنقها بالفعل .. وهكذا لقيت حتفها .. لا أدري .. لكنه جواب منطقي وعلمي إلى حد كبير كما ترون .. فهناك 13 بليون خلية عصبية في مخ الإنسان* .. وإذا كنا نرى خطوط الهاتف وشبكات الاتصالات معقدة فإن خطوط الخلايا العصبية أشد تعقيدا دون شك.
وهناك أهم نقطة في القصة كلها .. لقد بدأت أشك في موت الزوج بجرعة زائدة كما أخبرتني (هبة) !!! .. نعم .. أعتقد أنها هي من قامت بقتله !!!! .. ربما حقنته بجرعة مخدرات أثناء نومه مثلا أو أثناء حالة السكر .. وقد فعلت هذا لتتخلص منه بالطبع .. وإلا .. لماذا ظل يطاردها حتى بعد موتها ؟؟!!! .. لماذا كان يزورها في أحلامها ويحاول قتلها بهذا الإصرار الغريب ؟!! .. أعتقد أنها هي من قتلته .. أكاد أن أقسم بذلك .. كل شيء في تفاصيل القصة يؤكد نظريتي .. لقد قتلته (هبة) بجرعة زائدة من المخدرات .. فعادت روح الزوج لتطاردها .. إلى أن تمكن من قتلها وهي نائمة بالوسيلة التي شرحتها لكم .. أما وفاة الضابط .. فلا أعلم عنها شيئا .. فربما تكون هي الصدفة الوحيدة في الأحداث !!!.
يا إلهي .. القصة محاصرة بأسئلة لا تنتهي .. ولا نملك تجاهها سوى الاستنتاج .. وإن كنت أظن أن معظم استنتاجاتي صحيحة .. الحمد لله أن الضابط قد أتلف مذكرات الزوج كي لا تقع بيد أحد .. لأن عالم الاتصال بالموتى هذا لهو عالم مخيف كما يبدو ومن الأفضل أن نترك بابه مغلقا .. هناك أمور يجب ألا نعبث بها وإلا أصبنا بالجنون.
*حقيقة.
لكني الآن أشعر بحال أفضل بعد سماعي صوت الضابط المطمئن وهو يخبرني أنه سيحمي (هبة) .. المسكين .. رغم كل ما فعلته معه .. إلا أنه اتصل بي أنا .. ربما لعلمه أنني سأصدقه هذه المرة .. فلو فعل هذا مع أي شخص آخر لا يعلم شيئا عن هذه القصة لما صدقه .. أعتقد أن هذا هو سبب اتصاله بي تحديدا .. أو ربما شعرت روحه بندمي الشديد على ما حدث .. فأراد أن يخفف عني وطأة الشعور بالذنب .. لا أعلم .. الأمر خاضع لتفسيرات عديدة.
إنني واثق الآن أن هناك أموراً كثيرة تفوق إدراك الإنسان .. يقول العلماء أننا من المفترض أن نتلقى ما يعادل 400 مليار معلومة في الثانية الواحدة .. لكننا لا ندرك قدراتنا جيدا .. لهذا لا نعي سوى 2000 وحدة معلومات تتمحور حول بيئتنا وجسدنا* .. هناك أشياء عديدة تحدث حولنا ولا نعرف عنها شيئا .. وقصتي هذه لهي أكبر دليل على كلامي !!!.
و .. بعد كل هذه الأفكار التي مرت في ذهني .. ومع توقفي قليلا لاستيعاب ما حدث .. ومع ظهور أشعة الشمس التي بددت الغيوم من حولي .. وجدت نفسي أقود سيارتي مرة أخرى بهدوء عائدا إلى البيت والشوارع شبه خالية .. شاعرا أنني بحال أفضل بعد اتصال الضابط رحمه الله .. حتى أنني أنزلت النافذة بحركة لا شعورية .. وقلت بصوت لم يكن مسموعا بسبب الهواء الذي تشقّه السيارة بسرعتها:
شكرا يا صديقي .. أشكرك من كل قلبي .. أرجوك أن تسامحني.
*حقيقة
قلت هذا .. وأغلقت النافذة مرة أخرى .. وقد ارتسمت على شفتي ابتسامة حزينة وأنا أتذكر كل ما حدث في هذه القصة التي تعلمت منها أهم درس في حياتي .. وهو في نفس الوقت أهم نصيحة قد أوجهها لك عزيزي القارئ .. فلا تخشى أن تكون شاذاً في آرائك .. لأن كل رأي مقبول اليوم .. كان شاذاً يوما ما .. أقول هذا الكلام لنفسي أولا بعد أن تعصبت كثيرا لرأيي العلمي ورفضت كل ما أخبرتني به (هبة) .. لكني أدركت الآن حجم الخطأ الذي ارتكبته .. فلو كنت قد بقيت إلى جانب الضابط على الأقل وصدقت كلامه .. فربما كنت سأفعل شيئا .. أقول ربما.
سأحاول أن أعيش حياتي مرة أخرى بعد هذه الأحداث الرهيبة .. مستفيدا من الدروس التي أتعلمها كل يوم .. ومن تلك الحالات التي تمر علي في المستشفى باستمرار .. حالات نادرة !!.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا