قوس قزح 4 للكاتب د. أحمد خالد توفيق د. تامر إبراهيم

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-02-09

أخضر 

"الواقع أنني أكره عملي هاهنا.. الواقع أنني لا أجد جدوى لحياتي ذاتها.. الواقع أن الشيء الوحيد الذي يدفعني للاستمرار هو.. الدكتورة (منال)."

***

السبت 15 مايو: 

الفائدة الوحيدة للملل هي أنك تجد الوقت الكافي لكتابة مذكراتك.. صحيح أنه لا يوجد شيء ذو قيمة في هذه المذكرات، لكنها مذكراتي أنا ولا تعني أحداً سواي.. لا أحتاج لأن أكون رائد فضاء لأحظى بشرف كتابة مذكراتي!

أنا عامل نظافة بالمناسبة، وهذا قد يدفعك لترك القصة والانتقال إلى القصة التالية، لكن من سيتجاوزون امتعاضهم من عملي هذا، وسيواصلون القراءة؛ قد يكتشفون أن حتى عمال النظافة قد يوجد لديهم ما يقولونه في بعض الأحيان..

هذا هو ثاني أيام عملي في مؤسسة (اسم لاتيني معقد لا يمكنني نطقه أو حتى كتابته!) التي تدير سلسلة من الأبحاث العلمية عن أشياء لا يعرف إلا الله الغرض منها بالضبط.. أحدهم يقضي حياته أمام فأر أبيض في قفص، وآخر يحقن الفواكه بعقاقير عجيبة، وهناك من ينظر طيلة اليوم إلى شريحة ضئيلة عبر الميكروسكوب، ليدون ملاحظاته كل نصف ساعة..

وهناك الدكتورة (منال)..

حين عرض علي قريبي - وهو عامل نظافة هو الآخر - العمل هنا، لم أكن متحمساً على الإطلاق، لكني كنت في حاجة إلى المال.. أي مال بأي طريقة.. ولأنني لا أجيد السرقة أو النصب ومصاب بمرض نادر في العضلات يمنعني من العمل كبائع متجول، بدا أن العمل كعامل نظافة هو الحل الأمثل لي..

أنقل القمامة من سلة المهملات إلى العربة التي أجرها أمامي طيلة اليوم، ثم أفرغ العربة في أنبوب خاص في قبو المبنى.. هذا هو كل شيء، والأمر لا يحتاج لمواهب خاصة كما لاحظت.. المشكلة هي أنني متعلم - حصلت على الإعدادية - وعيب التعلم الوحيد هو أنن فسك قد تعف عن ممارسة الأعمال التي يؤديها الجهلة بنفس راضية مطمئنة..

لكن هناك الدكتورة (منال)..

أعشق القراءة منذ صغري، لكنني من أسرة لا تسمح إمكانياتها المادية بابتياع الكتب إلا المستعمل منها وإن نقصت صفحاته، وها هي المشكلة ذي تتكرر.. أنا هنا أقضي طيلة اليوم، في لا شيء تقريباً، ولا يوجد أمامي ما يصلح للقراءة سوى تلك المراجع الضخمة، ذات الأغلفة المصقولة، والكلمات اللاتينية التي تحتاج إلى أكثر من شهادتي الإعدادية لفك طلاسمها..

الحل إذن.. أن أكتب مذكراتي..

وسيلة لا بأس بها لقتل الوقت.. وإن كان علي تحمل نظرات السخرية من زملائي والعاملين هنا..

عامل نظافة يكتب مذكراه.. يا للهول!!

لكن هناك الدكتورة (منال)..

إنها.. إنها.. زهرة هذا المكان.. النسمة الوحيدة التي تمر عبر الممرات الكئيبة لهذه المؤسسة.. الوحيدة التي أقنعتني بأن العمل هذا لا بأس به، إن كنت سأصيب ابتسامة منها كل يوم.. وأنت لم تر ابتسامة الدكتورة (منال)!

صدقني.. إنها تستحق..

لكن ما الذي تفعله الدكتورة (منال) بالضبط؟!

الواقع أن هذا يستحق بعض الاهتمام..

***

الأحد 16 مايو: 

أمتع ما يمكن لإنسان فعله هو أن يراقب الدكتورة (منال) وهي تعمل..

ترتدي المعطف الطبي الأبيض.. تدخل إلى تلك المحمية الطبيعية التي صممتها المؤسسة خصيصاً لها لتمارس تجاربها على النباتات وموسيقى هادئة تنبعث من جهاز التسجيل.. بالنسبة لهم - من يديرون المؤسسة - لكل نبات داخل المحمية اسم علمي منمق، وملف بالتجارب التي تمت على هذا النبات، والدكتورة (منال) ذاتها تمثل ملفاً هي الأخرى، يسجل فيه كم ما حققته للمؤسسة حتى الآن من نتائج.. هذا بالنسبة لهم..

بالنسبة لي كانت الدكتورة (منال) تبدو كسندريلا وسط الزهور وأوراق النباتات، كأنما تصنع معهم لوحة طبيعية متحركة، هي بطلتها الوحيدة..

كانت الدكتورة (منال) دائماً ما ترحب بي داخل محميتها، وكثيراً ما تركتني أراقبها وهي تحمل أصيص زرع، لتضعه على جهاز عجيب، يخرج شرائط ورق عليها خطوط متموجة..

أي أحمق لن يفهم معنى هذه الخطوط، لكن الدكتورة (منال) شرحت لي.. إنها تعبر عن إحساس النبات، فهي تنساب بنعومة حين تتوفر للنباتات البيئة المثلى، بينما تتولى بجنون؛ إذا قطعت أحد أوراق النبات وهو على الجهاز..

"النبات يشعر ويتألم.. وربما يحب!"

هكذا قالت لي الدكتورة (منال)..

***

الاثنين 17 مايو: 

اليوم أخبرتني الدكتورة (منال) أنهم عثروا على فصيلة نادرة من النباتات.. على بذور هذه الفصيلة بالتحديد.. سبع بذور لمزيد من الدقة..

أخبرتني الدكتورة (منال) أن البذرة الواحدة تساوي ثروة، لكنها إن نجحت في زرع أحد هذه البذور في البيئة المناسبة، وقامت بإجراء تجاربها على النبات ذاته، فقد تحقق السبق العلمي الذي طالما سعت إليه..

ساعدتها بنفسي على إعداد أصيص الزرع، ودفنا البذرة الأولى في السماد الصناعي الذي يحتوي على كل ما يشتهيه النبات من مواد وأملاح.. لم يكن الأمر شاقاً بالطبع ولو كان.. فالدكتورة (منال) تستحق..

أخبرتني الدكتورة (منال) أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً، وهذا معتاد.. وأنا أثق في كل ما تقوله الدكتورة (منال)..

كل ما علي فعله هو أن أدعو الله أن ينبت هذا النبات سريعاً من أجل الدكتورة (منال)..

وهذا ما سأفعله!

***

الثلاثاء 18 مايو..

لكم هي متفانية.. لكم هي رائعة..

أراها كل يوم - الدكتورة (منال) ولا أحد سواها! - تعتني بأصيص النبات الجديد، كأنه طفلها الرضيع.. أحياناً أشعر أن هذه البذور داخل الأصيص هي أول رابط حقيقي بيننا.. كلأنها ابننا الذي لن يولد!

نجلس يومياً نراقب الأصيص لساعات طويلة، منتظرين تلك اللحظة الجهنمية، التي سيخرج فيها البرعم الأخضر إلى السماء، ليعلن عن وجوده.. لكن الانتظار سيطول ونحن نعرف هذا..

رأيتها وقد استبد بها الفضول، تضع أصيص النبات في الجهاز الذي يسجل الموجات التي يصدرها النبات، وقالت:

على الأقل سنعرف إن كانت البذرة حية..

لكن شرائط الورق التي خرجت من الجهاز، كانت تحمل خطأ مستقيماً طويلاً، كالذي يصدره جهاز رسم القلب حين تحين لحظة النهاية.. لقد رأيت جهاز رسم القلب حين كان متصلاً بوالدتي - يرحمها الله - وأعرف معنى هذا الخط السخيف جيداً..

بدا الإحباط على الدكتورة (منال), وقالت:

سأتركه للغد، ثم سأجرب مع بذرة أخرى..

حاولت مواساتها، لكنني وكما قلت من قبل، لا أملك لها سوى الدعاء..

وهذا ما سأفعله مجدداً..

***

الأربعاء.. 19 مايو..

لا زلنا ننتظر..

***

الخميس.. 20 مايو..

قررت الدكتورة (منال) الإبقاء على الأصيص الأول، لكنها وضعت البذرة الثانية، في أصيص جديد، ولا زلنا ننتظر..

***

الجمعة.. 21 مايو..

متى يأتي الغد؟!!

***

السبت.. 22 مايو..

مزيد من الإحباط!

***

الأحد.. 23 مايو..

لم أتوقع أنا أو الدكتورة (منال) تلك المفاجأة المذهلة!..

كنا أول من وصل إلى المؤسسة كعادتنا منذ فترة، لنسرع سوياً إلى المحمية الطبيعية على أمل مستمر في جديد.. أي جديد..

لكننا هذه المرة حين وصلنا كان المشهد أمامنا أشبه بمعجزة..

كان أصيص الزرع أمامنا وقد نما ذلك النبات النادر بصورة جهنمية، في صورة مجموعة ضخمة من السيقان الخضراء الملتفة حول نفسها بتشكيل عجيب معقد، وبارتفاع لا يمكن حدوثه في ليلة واحدة..

ليس هذا فحسب، فأحد الأصيصين كان على جهاز تسجيل الموجات، الذي أخذ يقذف في وجوهنا شرائط ورق تحمل تموجات عنيفة، لم أر مثلها من قبل..

لا يمكنني أن أصف لك كيف كانت حالة الدكتورة (منال) لكني سأتجاوز ذهولها من هذا الذي حدث، وسأنقل لك اللحظة التي أمسكت فيها شرائط الورق، لتتفحص التموجات باهتمام علمي يليق بها تماماً..

استغرقت وقتاً طويلاً، قبل أن تقول: 

لست أفهم..

تجرأت أنا لأسأل:

هل يتألم هذا النبات؟ أعني ربما لا تناسبه البيئة هنا..

لكنها هزت رأسها لتقول:

لا... هذه التموجات طبيعية، لكنها مضخمة، كأن غابة كاملة التي تصدرها..

وعادت لتفحص الأوراق، مكررة: 

لست أفهم..

لذت بالصمت لأسمح لها بالتركيز، وحين طال صمتها قررت أن أتركها لأواصل عملي - إنني لست المسئول عن مراقبتها هنا - لكني قبل أن أترك المكان، التفتت إلي الدكتورة (منال) لتسأل: 

لحظة... أنا لم أضع هذا الأصيص في الجهاز أمس.. كيف انتقل إذن؟!!

***

الاثنين.. 24 مايو..

الدكتورة (منال) تغيرت..

لم تعد تلحظ وجودي، بل أصبحت لا تلاحظ أي شيء يحدث حولها، وقد انصب اهتمامها كله على نباتها النادر، الذي بدأت أمقته دون سبب مفهوم..

إنه.. إ"ه ينافسني على الدكتورة (منال)!

اليوم مررت عليها لمتابعة آخر التطورات، حين حدث ذلك الشيء العجيب الذي أثار هلعي..

كانت الدكتورة (منال) تمسك بأحد أوراق النبات تفحصها بعدسة مبكرة، وكنت أنا عند الباب في هذه اللحظة، أناديها قائلا:

أي خدمة يا دكتورة (منال)؟

ويبدو أنها كانت مستغرقة تماماً فيما تفعله، إذا انتفضت على صوتي، والتفتت لي بحدة وهي لا تزال تمسك بورقة النبات، لتقطعها دون قصد، دون قصد لكن النبات لم يقدر هذا..

فجأة تلوت فروع النبات كله بحركة افعوانية عجيبة، وأخذ ينفث ذلك البخار الأخضر في سماء الغرفة..

أخضر.. أخضر.. أخضر.. لثوان استحال لون المكان كله الأخضر..

صوت الهسيس الصادر عن النبات امتزج بصرخة الدكتورة (منال) المذعورة، فلم أشعر بنفسي إلا وأنا أقفز في اللون الأخضر أمامي، لأنقذها من أي شيء قد يجرؤ على التعرض لها..

كانت الرؤية منعدمة أمامي، لكن العجيب أن هذا البخار كان بلا رائحة على الإطلاق كأنه مجرد صبغه للهواء، لكني تجاهلت هذه الحقيقة حينها وأخذت أتحسس طريقي حتى اصطدمت بذراع الدكتورة (منال) لأقبض عليها بقوة، هاتفاً:

لا تقلقل.. سأخرجك من هذا..

لكن يداً حديدية قبضت على عنقي بغتة لتخرسني، ولتبدأ في اعتصاره بقوة لا ترحم!!

وكرد فعل طبيعي ازدادت قوة قبضتي التي تقبض على ذراع الدكتورة (منال) فارتفع صوت صراخها أكثر، وقد أصابنا هذه اللون الأخضر - اللعين - بالعمى تماماً..

كنت أختنق وبدا وكأن حنجرتي ستتهشم في أية لحظة، فتركت ذراع الدكتورة (منال), لأحاول إبعاد تلك اليد المخيفة عن عنقي لكن دون جدوى.. 

اختنق ببطء واللون الأخضر البهيج يغمرني من كل صوب!..

يتحول اللون الأخضر إلى أسود وقد غاب الهواء من جسدي، وتتراخى ذراعي جواري باستسلام وصراخ الدكتورة (منال) يتردد في أذني و... و...

وما حدث بعد ذلك رواه لي قريبي الذي أحضرني إلى هنا..

صراخ الدكتورة (منال) اجتذب الجميع إلى المحمية، حيث تعاونوا على إخراجنا حيين - لحسن الحظ - لكن هنا ليس كل شيء..

شيئان أخبرني بهما قريب أثارا ذعري، وإلى أقصى حد..

أولاً.. أنه لم يكن هناك دخان أخضر حين دخلوا المحمية... لم ير أحد هذا الدخان!!

ثانياً.. أن اليد التي كانت تقبض على عنقي، والتي كادت تقتلني، كانت يد، الدكتورة (منال) ذاتها!!

***

الثلاثاء.. 25 مايو..

لم أستطع الذهاب إلى العمل، إذ لا زالت تحدت تأثير صدمة الأمس.. ترى أين هي الدكتورة (منال) الآن؟!!

***

الأربعاء.. 26 مايو..

الدكتورة (منال) لم تأت إلى العمل اليوم..

***

الخميس.. 27 مايو..

لقد بدأت أقلق على الدكتورة (منال).. إنها لم تأت اليوم أيضاً..

***

الثلاثاء.. 2 يونيو..

لقد اختفت الدكتورة (منال)..

قضيت الأيام الماضية في انتظارها ثم بدأت أبحث عنها، حتى إنني تمكنت - بوسيلة ما - من الحصول على عنوان منزلها، وذهبت إلى هناك لأطمئن عليها - وإن كان هذا ليس من حقي في الواقع - لكنني لم أجدها هناك كذلك..

أين ذهبت الدكتورة (منال)؟؟!!

***

الجمعة.. 6 يوليو..

لم أعد منتظماً في كتابة مذكراتي لكن ما حدث اليوم يستحق التسجيل حقاً..

في السابعة مساءً كنت أتابع ذلك البرنامج التلفزيوني الشهير، حين سمعت طرقات على باب منزلي، فنهضت متململاً لأفتح الباب، وأنا أدعو الله ألا يكون الحماس قد استبد برفاقي، ودفعهم للمجيء إلى هنا.. لكن حين فتحت الباب أطلت علي الدكتورة (منال) بابتسامتها الهادئة، لتصيبني بحالة من الذهول عجزت معها عن النطق..

كانت هي من نطقت لتقول:

مرحباً..

أين كنت؟!.. بحثت عنك في كل مكان.. أعني.. لقد قلت و.. 

ارتد ملابسك وهيا بنا..

إلى أين؟!!

إلى هناك.. إلى المحمية..

سأتجاوز كل التفاصيل التي لا داع لها وسأقفز إلى اللحظة التي دخلنا فيها إلى المحمية لنجد نباتنا النادر وقد استطال حتى كاد يلامس السقف..

لست أفهم شيئاً في النباتات، لكن نمو هذا النبات غير طبيعي وأنا أثق في هذا..

"هذا النبات غير طبيعي.."

قالتها الدكتورة (منال) وكنت أعرف هذا مسبقاً، ثم واصلت:

الدخان الأخضر الذي تنفسناه.. لقد كان ذا تأثير غير طبيعي.. لقد قضيت الأيام الماضية في دراسة تأثير هذا الدخان علينا..

سألتها بحذر:

وهل توصلت إلى شيء محدد؟!

تحسس نبض يدك رجاءً..

لماذا؟!

لأنك لن تشعر بشيء!..

ماذا؟!!!

وتحسست يدي بدهشة بحثاً عن أي نبض، فتحولت دهشتي إلى ذعر حقيقي حين شعرت بيدي الباردة ميتة تماماً، لا نبض فيها ولا حياة..

ألقت إلي الدكتورة (منال) بسماعة طبية قائلة بذات الشرود:

خذ هذه لو أردت التأكد، لكنني سأخبرك بالنتيجة مسبقاً.. لا نبض... قبلك توقف عن الخفقان.. مثل قلبي بالضبط..

شعرت بالسخف مما أسمعه، لكن يدي الباردة ظلت صامتة، لا تنقل إلى أناملي أي نبض، فجربت أن أضع السماعة الطبية على صدري، وبعد إصغاء استمر لبضع دقائق.. تأكدت لي حقيقة أن قلبي متوقف عن العمل تماماً..!!

خط طويل سخيف.. هذا هو ما سيسجله جهاز رسم القلب لو وصوله إلى صدري الآن..

سألت والأفكار تثور في رأسي:

وما الذي يعنيه هذا؟!.. هل متنا؟!!

لكن إجابتها جاءت أكثر غرابة:

لا... لم نمت... بل نتحول..

***

السبت.. 7 يوليو..

من الآن علي الانتظام في تسجيل مذكراتي لتسجيل أي تغيرات تطرأ على جسدي كما طلبت مني الدكتورة (منال)..

عادت الدكتورة (منال) إلى العمل، لتواصل دراستها على ذلك النبات الشيطاني، المستمر في النمو، حتى كاد يحتل المحمية الطبيعية كلها، بسيقانه الملتوية، وأوراقه التي تصدر ذلك الغاز الأخضر إذ قطعت..

يجب أن نفهم ما حدث لنا.. يجب.

حين عدت إلى المنزل، فحصت جسدي أمام المرآة بحثاً عن أي تغيرات، فلم أجد شيئاً غير طبيعي..

لازلت نحيفاً كئيب الملامح، ولا زالت عظامي البارزة تؤكد على فقري المدقع..

فقط لا قلب ينبض رغم استحالة هذا طبياً أو علمياً كما أكدت لي الدكتورة (منال)..

لكننا قررنا الاحتفاظ بهذا كله سراً، حتى تستطيع الدكتورة (منال) كشف طبيعة ما أصابنا..

ترى هل تستطيع الدكتورة (منال) فعل هذا حقاً؟!!

***

الأحد.. 8 يوليو..

على الأقل أصبح هناك رابط حقيقي بيني وبين الدكتورة (منال)..

حالتنا العجيبة أزالت حواجز كثيرة بيننا، وأصبحت أقضي جم وقتي معها في المحمية الطبيعية، حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي...

لاحظنا أننا فقدنا شهيتنا للطعام، كأنما أصبح جسدنا الميت يأبى أي طعام... كذلك تقلصت ساعات نومنا إلى ساعتين فقط ويبدو أننا في طريقنا للإصابة بالأرق الدائم...

الدكتورة (منال) تحولت إلى آلة رص، ترقب كل ما يفعله النبات، وتدرس تلك التموجات المتضخمة التي يصدرها، على أمل أن تحمل لنا أي تفسير..

على كل حال لم يحمل لنا اليوم أي جديد..

فقط لاحظت أنني حين جرحت يدي بطريق الخطأ، لم أنزف أي دم..

سؤال آخر ننتظر أن يجيبنا عليه هذا النبات النادر..

فهل يفعل؟!!!

***

الاثنين.. 9 يوليو..

لم نعد ننام وأصبح الإرهاق هو السمة الغالبة علي وعلى الدكتورة (منال)..

المسئولون عن المؤسسة لاحظوا وضعنا ولم يبدوا أي اعتراض، ولابد أنهم أعدوا ملفاً جديداً عني يسجلون فيه ملاحظات مبهرة..

لكن ملف النبات ذاته ظل يحمل علامات استفهام لا إجابات لها، حتى قررت الدكتورة (منال) إجراء تجربة عجيبة لم أفهمها بالضبط، لكنني سأنقل لك ما قالته لي حرفياً:

سنحاول تحويل هذه الموجات التي يصدرها النبات إلى صورة أخرى من صور الطاقة، علنا نفهم ما الذي تعنيه..

وعملاً بهذه القاعدة أحضرت الدكتورة (منال) مجموعة عجيبة من الأجهزة، أخذت توصلها بالجهاز الذي يسجل موجات النبات..

وأخذت أنا أراقب هذا كله منتظراً أي نتيجة..

على كل حال مر اليوم سريعاً دون أن نظفر بهذه النتيجة المرجوة..

وما زلنا ننتظر..

***

الثلاثاء.. 10 يوليو..

يجب أن أسجل كل ما حدث بسرعة فلا وقت أملكه..

اليوم تمكنت الدكتورة (منال) من حل لغز هذه التموجات، فلقد استخدمت.. ال.. لا وقت.. بسرعة.. الكمبيوتر فعلها وبرامج الترجمة حولت لنا ما يقوله النبات إلى.. لا وقت.. لا وقت..

الدكتورة (منال) أوصلت الأجهزة الجديدة بالكمبيوتر الذي قرأت على شاشته هذه الكلمات الرهيبة:

(حان وقت عودتنا... هناك أجساد بشرية تصلح لعملية الانتقال..) 

هذه الكلمات كان يصدرها النبات في صورة الموجات المتضخمة، وهذا يفسر كل شيء..

أجسادنا ميتة لأنها لم تعد ملكنا، بل ملكهم..

من هم؟!!

لا أعرف ولن أجد الوقت لأفعل، الدكتورة (منال) وجدت حلاً جذرياً للمشكلة كلها..

إنها تشعل النار الآن في المحمية بعد أن حبستنا فيها.. حاولت منعها لكن...

ربااااااه..

النبات.... إنه....

............

***

الملف (1019) قسم الأبحاث العلمية

إلى هنا تنتهي المذكرات التي عثرنا عليها بعد أن احترقت المحمية الطبيعية، ولولاها لما فهمنا شيئاً مما حدث..

الدكتورة (منال) وعامل النظافة المسكين - الذي لا أفهم كيف كان يكتب مذكراته هذه - كانا الضحيتين الوحيدتين للحريق..

يبدو أن الدكتورة (منال) كانت تحاول التخلص من النبات، لكنها فشلت! 

النبات لم يحترق كأن النار لا تؤثر فيه بالمرة وهكذا تمكنا من دراسته لنفهم ما حدث.. وما سيحدث..

النبات كان يصدر غازاً خاصاً يؤثر على الأعصاب، ويصيب من يتعرض له بالجنون، وهذا يعني أننا نجحنا...

هذا هو السلاح البيولوجي الكامل كما أردنا، ولولا أننا قررنا التضحية بالدكتورة (منال) لما تأكدنا من فاعليته..

يمكننا الآن إغلاق الملف..

وإعلان أن التجربة نجت..

د. عادل فهمي

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا