قوس قزح القصة الأولى للكاتب د. أحمد خالد توفيق 4. تامر إبراهيم

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-01-24

 

قوس قزح 1 للكاتب د. أحمد خالد توفيق ود. تامر إبراهيم

أحمر 1

يقول السيد (منير) وهو يلفظ الدخان من غليونه:

"اللون الأحمر يا بني هو أهم ألوان الطيف وأكثرها عمقاً وتأثيراً.. إنه لون الدم.. لون الحب.. لون الزهور.. لون الفجر والغروب.. والأهم من هذا كله أنه لونهم؟؟"

***

وكان المقطم هو المكان الأمثل، لما انتوينا فعله..

دائماً ما تصلح فيلات المقطم في تنفيذ أي مخطط. وهذه قاعدة مطلقة..

لابد أن يستنسخوا البشر ويصنعوا المخدرات ويأكلوا الموتى ويشربوا الدماء في هذه الفلات..

على كل حال أنا ذاهب لما هو أسوأ..!!

السيد (منير) هو من أيقظني ليخبرني أنها الليلة الموعودة، فلم أكن أصدق نفسي وأنا أقفز في سيارتي لأنطلق إلى هنا.. إنها الليلة الموعودة، ولكم طال الانتظار..

أوقفت سيارتي أمام تلك الفيلا التي تبدو مهجورة لمن يراها من الخارج، وجلست لحظة لأملأ جسدي بدفء السيارة، قبل أن أخرج إلى حيث تضربني الرياح بلا هوادة، بأسهم من الثلج..

ومن حقيبة السيارة أخرجت تلك الحقيبة الجلدية الضخمة، لأحملها بنوع من المشقة متجهاً إلى مدخل الفيلا..

إنني أتذكر.. ثلاث طرقات ث مطرقتين متباعدتين، ثم هأنذا أنتظر حتى يفتح الباب، ليستقبلني السيد (منير) بدخان غليونه..

أنا لم أر هذا الرجل إلا وهو يدخن الغليون،  وإنني لأتساءل عن الكيفية التي يبقى معها غليونه مشتعلاً طيلة الوقت.. أحياناً أشعر أنه ينفث لهباً من فمه في هذا الغليون!

كان عملياً كدأبي به، فاستقبلني قائلاً: 

"هل أحضرت المطلوب؟!"

دققت على حقيبتي الجلدية، وأنا أومئ برأسي إيجاباً، فأفسح لي الطريق، لأعود إلى دفء الأماكن المغلقة.. وفي الداخل كان الباقون في انتظاري..

السيد (علاء) بقامته الضئيلة وجسده المكتنز، والسيد (رضا) بنظراته العصيبة المتوترة، والسيد (فهمي) بملامحه الأرستقراطية الجامدة..

حيوني بهز الرأس، فاتخذت مكاني جوارهم، حتى أتى السيد (منير) وهو يمرر أصابعه في خصلات شعره الأشيب، ليقول بذات العملية والغليون مدلى من فمه:

"سنبدأ حالاً؛ لذا على من يريد التراجع أن يعلمنا من الآن"..

لم يتلق رداً، فنفث المزيد من الدخان واتجه إلى باب إحدى الغرف، قائلاً بحياديه:

"اتبعوني رجاءً"..

وهكذا تبعناه صاغرين إلى الغرفة التي لم نكد نراها؛ حتى بدت الدهشة في ملامحنا، وإن لم يجرؤ أحدنا على النطق بحرف..

على الأرض رسمت النجمة الخماسية الشهيرة، وقد استقرت خمسة مقاعد عند أطراف النجمة، بينما استقر ذلك الشيء عند مركز الدائرة، لنشعر أنه يجثم على صدورنا بلا رحمة..

أقول هذا الشيء لأننا لم نعرف له اسماً وإن كنا قد اتفقنا فيما بيننا على تسميته (لوح الحقيقة)..

كان يبدو كلوح حجري مصمت، استقرت في طرفه بلورة زجاجية شديدة الشفافية، وعلى اللوح نفسه حفر فراغ لا يحتاج المرء لأن يكون خبيراً، ليعرف أنه مصمم بحيث يستلقي جسد في هذا التجويف.. جسد آدمي!..

استقر (فهمي) و(رضا) و(علاء) في مقاعدهم وملامحهم تنضح بالانفعال، بينما ظللت أنا واقفاً حاملاً حقيبتي الضخمة، منتظراً إشارة اليد (منير) الذي أومأ لي برأسه موافقاً، فوضعت الحقيبة على الأرض بحرص، ونزلت على ركبتي لأفتحها..

واستقبلني ثلاث شهقات من السادة الجالسين، وأنا أخرج من الحقيبة جسد ذلك الطفل، الذي بدا واضحاً من شحوب جسده، وتلك الدماء الجافة على رأسه؛ أنه مات منذ زمن، وأن جثته كانت محفوظة لفترة طويلة، مما حال أن تبدأ في التحلل..

وحده السيد (منير) الذي ظلت ملامحه جامدة وأنا أسجي الجسد الضئيل في التجويف، قبل أن أتخذ مقعدي عند أحد أطراف النجمة الخماسية، تلاحقني نظرات السادة الجالسين غير المصدقة..

وبتؤدة جلس السيد (منير), وظل صامتاً لدقيقة كاملة، كأنما يمنحنا الفرصة لنستعد، قبل أن يبدأ في نفث الدخان والكلم في وجوهنا: 

"أنتم تعرفون ما نحن مقدمون عليه أيها السادة، لكن دعوني أنعش ذاكرتكم.. نحن هنا لنستخدم لوح الحقيقة، الذي ظل لغزاً لكل الباحثين والمؤرخين على مر الزمان"..

كنت أعرف ما سيقوله بالضبط، لذا غبت في حالة الشرود، وعيناي معلقتان على جثة الطفل الساكنة، والتي لولا الدماء الجافة التي غطت وجهه، لظننت أنه نائم وسيستيقظ في أية لحظة..

لكنه لن يستيقظ.

أنا أعرف هذا وأثق فيه بحكم كوني طبيباً.. حادث سيارة أدى إلى شرخ في الجمجمة وتهتك في خلايا المخ.. موت سريع لكنه غير نظيف، مع كل الدماء التي فقدها الطفل، ووالداه المذعوران يحملانه إلى المستشفى، علنا نحن الأطباء نأتي بمعجزة ما، تعيد الحياة إلى جسده الضئيل..

لكن الحقيقة كانت جلية أمام أعيننا ومنذ اللحظة الأولى.. هذه حالة منتهية، وكل ما علينا فعله هو تهدئة والديه الموشكين على الجنون هلعاً..

"لوح الحقيقة صنعه السحرة في العصور الغابرة، والغرض منه استدعاء كيان من غير محدد الهوية، هذا الكيان يحتل الجثة التي توضع في تجويف اللوح"..

حين كنت طالباً في كلية الطب، أخبرنا أحد الأساتذة، أن أقسى لحظة سنمر بها، حين نخبر أهل المريض بوفاته.. ستتعرض إلى عاصفة من الهلع والاستنكار وعدم التصديق، لكنك مع الوقت ستعتاد هذه المهمة الشاقة، وستؤديها بصفة روتينية..

أنا اعتدت هذه المهمة الشاقة، بل ووصلت إلى الدرجة التي انتظرت فيها خروج والدي الطفل وهما في حالة انهيار تام، لأحمل جثة طفلهما في حقيبة مليئة بالثلج، لأنقلها إلى ثلاجة معدة خصيصاً لهذا الغرض في داري، انتظاراً لليلة الموعودة..

"حين يحتل هذا الكيان الجسد الراقد على اللوح، يحركه وينطق عنه طريقه.. الميت لا يعود للحياة، لكن هذا الكيان يستحوذ على جسده ويسخره له.. ونحن نسخره لنا يخبرنا بالحقيقة"..

بالطبع لم يمر اختفاء جثة الطفل من المستشفى مر الكرام.. كان هناك صراح والديه، وتحقيقات واتهامات وأخبار في الصحف وفي نهاية الأمر.. لا شيء!

تم اعتبار أن الطفل دفن بهوية مختلفة عن طريق الخطأ، وتلقى والداه تعويضاً محترماً سيساعدهما على إنجاب طفل آخر، وظللت أنا بمنأى عن أي شك..

ما الذي سيدفع طبيباً محترماً مثلي إلى سرقة جثة طفل؟!!

"الحقيقة هي ما سنحصل عليه الليلة.. حقيقة الماضي وحقيقة المستقبل.. سؤال واحد لكل منا قد يفتح له أبواب المجد والثراء وقد ينقذ حياته لو كانت ساعته قد أوشكت.. لذا اختاروا أسئلتكم بحرص شديد"

كانت هذه هي اللحظة التي تبادلنا فيها النظرات..

سؤال واحد لكل منا.. ترى أي سؤال ستختاره لو كنت مكاني؟!

فكر جيداً.. فإجابة سؤالك، وكما قال السيد (منير) قد تفتح لك أبواب الثراء، وقد تنقذ حياتك لو كانت ساعتك أوشك..

أنا أعرف عن ماذا سأسأل، وسؤالي أيها السادة سيدر على الملايين.. ملايين زوجتي الراحلة!

تلك اللعينة أخفت عني ثروتها قبل أن تموت، بعد أن أدركت أن هذا سبب زواجي منها في المقام الأول..

تلك الحمقاء!!.. لماذا تظن أنني تزوجتها إذن؟!!

أي شاب يتزوج امرأة يتجاوز عمرها ضعف عمره، هدفه واضح وصريح وإن أنكر الجميع هذا..

لا مكان للعواطف أو لعقدة (أوديب) هنا.. إنني (إنديانا جونز) الباحث عن الثروة، وتلك الحمقاء تملك الكثير..

بل الكثير جداً..

قطع السيد (علاء) حبل أفكارنا، بسؤال ساذج: 

"سؤال واحد؟!.. فقط؟!!"

أومأ السيد (منير) برأسه إيجاباً، ثم واصل بث الشرح ونفث الدخان: 

"ثمة شيء آخر يجب أن تحذروا منه.. هذا اللوح يفتح الباب بين عالمنا وبين عالم آخر لا يعلم إلا الله ما الذي يوجد فيه.. لذا فهذه البلورة الزجاجية ستكون بمثابة جهاز الإنذار لنا.. حين تتألق البلورة باللون الأخضر سيعني هذا أن الاتصال بيننا وبين العالم الآخر قد نجح.. وحين تتألق باللون الأزرق سيعني هذا أن الكيان الذي سيجيب على أسئلتنا قد حضر"..

ثم ابتلع ريقه، ليضيف: 

"المشكلة ستكون حين تتألق البلورة باللون الأحمر، ففي هذه الحالة يعني هذا أنهم حضروا.. اللون الأحمر هو لونهم"..

جاء دور (رضا) ليهتف بعصبية: 

"من هم بالضبط؟!.. لست أفهم شيئاً من هذا الكلام الملغز"..

أخذ السيد (منير) يعبث في غليونه، وهو يجيب:

"كما قلت آنفاً، لا يعلم إلا الله ما يحويه هذه العالم الآخر.. لكن اللون الأحمر يعني حضور أسوأ ما في هذا العالم وأشده خطورة.. لو تألقت هذه البلورة باللون الأحمر فسيعني هذا أن فرصتنا في النجاة من هذه التجربة ضئيلة، لذا أكرر.. من يرد الانسحاب فليتفضل مشكوراً من الآن، فلا مجال للتراجع إذا بدأنا"..

ألجم الصمت الذي حل على المكان ألسنة الجميع، فعدت إلى خواطري المضطربة..

زوجتي بدأت تفهم الحقيقة منذ عام واحد تقريباً.. كانت مسنة لكنها امرأة، لذا كانت تفهم معنى تأخري الدائم عن المنزل ومعنى تلك الاتصالات الغامضة، التي يغلق أصحابها الخط في وجهها إن ردت هي..

هناك أخرى.. وربما أ كثر من واحدة.. وهذه هي الحقيقة!!

وحين واجهتني، كنت قد سأمت بقاءها على الحياة حتى هذا الوقت؛ لذا صارحتها بالحقيقة ببرود وقسوة، عل الصدمة تحقق لي هدفي في ميراث سريع ومضمون..

لكهنا - اللعينة - تلقت الصدمة بالهستريا والدموع وإخفاء ثروتها عني حتى لفظت أنفاسها في أحد الليالي وهي تنعتني بأقذع الألفاظ..

ما لم تعرفه هي حتى النهاية، أن وفاتها لم تكن طبيعية.. لم تكن كذلك قط!!

"هل سنبدأ أما ماذا؟!"

قالها السيد (منير) هذه المرة، ليجيبه صمتاً بالإيجاب، فقال: 

"ليخرج الكل الأوراق التي وزعتها  عليكم"..

أخرجت تلك الورقة المطوية من جيب معطفي، وفضضتها لتجري عيناي على تلك الأسطر اللاتينية التي كتبها السيد (منير) بخطه الأنيق المنمق..

لست أفهم حرفاً مما أمامي الآن.. لقد شرح لنا السيد (منير) المعنى من قبل، لكنني نسيته.. على كل حال إنها ليست قصيدة شعر، ولا ينبغي علي أن أقرأ من القلب!!

عبث السيد (منير) بأحد الأزرار في الحائط وراءه، فانخفضت الإضاءة في الغرفة للحد الذي أصحنا فيه نر بعضنا البعض بالكاد، ثم وضع غليونه - أخيراً جانباً، لنبدأ في ترديد التعويذة..

"ما نياس.. ركاكس.. تينوس.. ما ساسيس"

كلمات كتبها السحرة في العصور الغابرة، ترددها حناجرنا المرتجفة، وأعيننا معلقة على جثة الطفل وعلى البلورة الزجاجية..

"ما نياس.. ركاكس.. تينوس.. ما ساسيس"

تتألق البلورة باللون الأخضر لنعرف أننا على الطريق الصحيح، فأثبت عيني على وجه الطفل الملطخ بالدماء الجافة منتظراً لحظة الحقيقة..

"ما نياس.. ركاكس.. تينوس.. ما ساسيس"

اللون الأخضر يزداد تألقاً ثم يتحول إلى الأزرق الشاحب البارد، ليضفي على جلستنا الرهيبة هذه مذاقاً خاصاً..

"ما نياس.. ركاكس.. تينوس.. ما ساسيس"

الآن تحدث المعجزة، ونرى بأعيننا المتسعة ذهولاً ووجلاً، تلك الرجفة التي تمر على جفني الطفل، ثم نراه يفتح عينيه ببطء؛ لتحدق الجثة بعينين لا تريان في سقف الغرفة..

كان (علاء) يرتجف هلعاً.. و(رضا) يرتجف انفعالاً.. و(فهمي) يجاهد للحفاظ على تماسكه، بينما تبدت اللهفة في عيني السيد (منير), وهو يرى الاتصال يتم بنجاح..

"ما نياس.. ركاكس.. تينوس.. ما ساسيس"

الآن تتحول البلورة إلى اللون الأزرق.. والآن أذكر كيف قررت ذات يوم أن أنهي حياة زوجتي التعسة بيدي، ما دامت تصر على البقاء حية..

خبرتي كطبيب كانت تعني أن التنفيذ سيكون سهلاً، لكن الصعوبة تكمن في اتخاذ القرار ذاته..

صحيح أنني كنت أكره تلك العجوز الشمطاء من أعمق أعماق قلبي، لكن أن أراها تموت كل يوم بتأثير ذلك السم البطيء الذي كنت أدسه بانتظام في دوائها، كان تعذيباً حقيقياً لأعصابي..

كنت أراها.. تضعف.. تنهار.. تذوي.. تتلاشى..

ولقد كانت هي تشعر أنني السبب في هذا كله!!

من سيبدأ؟!!

قالها (علاء) بصوت مرتجف، فأجابه السيد (منير) على الفور:

"لا فارق.. ابدأ أنت"..

احتشدت قطرات العرق في جبهة السيد (علاء), ونطق بصوت مختنق انتزعه من حلقه انتزاعاً: 

"سؤالي هو... هو... هل توجد طريقة كي لا أموت؟!!

ها هو ذا أول سؤال للوح الحقيقية يبحث عن سر الخلود..

وكأنما يدفع السيد (علاء) هذا الاتهام عن نفسه، قال دون أن ينظر لأحدنا: 

"إنني أموت.. تليف في الكبد"...

بالطبع كان هذا كافياً لي لأفهم.. تليف الكبد الناتج من الإسراف في شرب الكحوليات.. لا علاج له..!!

تعلقت أعين الجميع على وجه الطفل الذي ظل ساكناً كأي جثة، ثم وببطء شديد فتح الطفل فمه ليزوم..

يزوم بصوت ثابت عميق لا يمكن أن يصدر عن طفل بأي حال من الأحوال..

وبتوتر هتف السيد (رضا),َ

ما هذا؟!..

لكن السيد (منير) أخرسه بإشارة من يديه، لتظل الكرة في ملعب جثة الطفل..

الطفل الذي أخذ يزوم بصوت غير بشري..

صوت قادم من العالم الآخر!!

كنت خائفاً وهذا ما لا يمكنني إنكاره.. ما يحدث الآن يفوق قدرتي على الاستيعاب، والسبب واضح وصريح..

هذا الطفل ميت.. جثة هامدة لا حياة فيها من أي نوع، فأي كيان هذا الذي يستخدمها ليزوم؟!

استمر هذا الصوت الرهيب المنبعث من الطفل طويلاً، فاقترح السيد (فهمي),َ

"هل.. هل نجرب سؤالاً آخر؟!

"لم لا؟!"

"إذن، فسؤالي هو... هل... هل"...

ولسبب ما بدأت ملامحه الأرستقراطية الجامدة ترتجف، ورأيته - لأول مرة منذ عرفته - يتلعثم وهو يمسح قطرات عرق وهمية عن جبينه، بمنديل حريري فاخر، ليخرج سؤاله:

"هل.. تخونني زوجتي حقاً؟!"

تبدت الصدمة في ملامح الجميع، إلا أنني شعرت بحنق بالغ وأنا أتساءل في أعماقي ن كان هؤلاء الحمقى يفهمون الغرض من هذه التجربة حقاً..

الأول يسأل عن علاج لمرضه والآخر يسأل إن كانت زوجته تخونه.. لهذا جئنا بلوح الحقيقة والجثة وقمنا بالمخاطرة في هذه التجربة المخيفة؟.. من أجل الهراء ذاته!

على كل حال استمر الزوم المخيف المنبعث من جثة الطفل دون أن يجيب على هذا السؤال أيضاً، فتعلقت نظراتنا الحائرة على وجه السيد (منير) الذي أشار لنا بيده إشارة أنه لا يفهم ما الذي يحدث بالضبط.

ودون أن أستأذن، ألقيت بسؤالي عله يجذب اهتمام الكيان الذي يسيطر على جثة الطفل:

"أين أخفت زوجتي ثروتها؟!"

الطفل يزوم بلا انقطاع كأنه يسخر منا!..

ولم تحتمل أعصاب (رضا) كل هذا الاستفزاز، فهب من على مقعده صائحاً:

"ما هذا العبث؟!.. هل سيجيب هذا الوغد من أسئلتنا أم ماذا؟!"

أثار تصرفه المفاجئ ذعر السيد (منير) الذي أخذ يردد شيئاً ما باللاتينية، ليتوقف الطفل عن إصدار تلك الضوضاء السخيفة، ولتنطفئ البلورة الزجاجية دفعة واحدة.

وبغضب هائل صاح السيد (منير),َ 

"أيها الأحمق.. أتريد أن تقضي علينا جميعاً بتصرفك هذا؟!"

"إن كنت أنا أحمقاً، فلماذا لا تفسر لنا أيها العبقري ما الذي يحدث بالضبط؟؟"

لابد أن هناك شيئاً ما لم نفعله.. هذا هو كل شيء.. سأراجع أوراقي وسنكرر التجربة في وقت لاحق"..

"كررها بمفردك إذن، فلن أشارك في هذا السخف ثانية"..

ودون أن ينتظر رداً، اندفع مغادراً المكان بثورة، ليتركنا نتبادل النظرات الحائرة..

كان السيد (علاء) شارداً يفكر في كبده المتليف وموته القادم لا محالة، بينما بدا السيد (فهمي) مثيراً للشفقة بحق، وهو يحاول إخفاء وجهه بكفيه، وقد أفشى سره أمامنا على هذا النحو، بينما اكتفى السيد (منير) بأن أخذ يشعل غليونه وقد أعاد الإضاءة إلى الدرجة الطبيعية، قبل أن يقول: 

"لا داعي للقلق.. سنكرر التجربة مرة أخلى لاحقاً بعد أن أعرف ما الخطأ بالظبط"..

كانت رسالته التي تطلب منا الرحيل واضحة، فهز (علاء) رأسه بشرود، وغادر المكان دون أن ينطق بحرف، بينما وقف السيد (فهمي) وأخذ يبحث في ذهنه عن شيء لائق ليقوله، فلم يجد سوى:

"ليلة طيبة"..

وغادر المكان ليتركني أشير إلى الجثة قائلاً:

"وماذا عن هذا؟!"

"أتركه لي قليلاً.. ربما احتجت له لأفهم ما الخطأ الذي حدث"..

لم أكن متحمساً للاحتفاظ بالجثة، كما أن الإحباط الذي أصابنا جميعاً، كان يدفعني للإسراع بالمغادرة، فقلت:

"كما تشاء"..

وغادرت الغرفة.. فالفيلا.. لأنطلق بسيارتي في الشوارع المظلمة بين بيوت المقطم الكئيبة..

ليلة أخرى من عمري تضيع دون أن أعرف أين أخفت زوجتي ثروتها..

ليلة أخلى من عمري لن تعود مجدداً..

لكن الليلة لم تنته عند هذا الحد، ولابد أنك توقعت هذا بصورة أو بأخرى..

كنت قد أوشكت على الوصول إلى منزلي حين دق جرس هاتفي المحمول، فرددت على الفور ليأتيني صوت السيد (منير) يهتف بانفعال لم أعهده فيه قط:

"(أنور).. تعال فوراً"..

قالها ثم أغلق الخط على الفور دون أن يمنحني فرصة للرد، ودون أن يجيب علي إذ أخذت أحاول الاتصال به لأفهم ما الذي حدث..

ثم - وقد تغلب فضولي على حنقي - استدرت بالسيارة لأعود إلى المقطم، وأنا أضرب أخماساً في أسداس.. ترى هل فعلها؟؟

هل نجح؟!

كانت الطرق شبه خالية في هذا الوقت، لذا لم ألق مشقة في العودة إلى تلك الفيلا في المقطم، لأجد أن سيارة السيد (علاء) تقف في الخارج، فضاعف هذا من فضولي، لأخرج من السيارة متجهاً إلى بوابة الفيلا، التي لم أندهش كثيراً حين وجدتها مفتوحة..

ثمة شيء ما حدث ها هنا، وأنا أشم رائحة هذا الشيء لكني لا أدري كنهه.. تجاوزت الردهة وأنا أنادي بأعلى صوتي:

"سيد (منير).. (علااااء).."

لم يجيبني أحد فاتجهت على الفور إلى الغرفة التي أجرينا فيها التجربة، وفتحت بابها و... و...

وكما توقعت أيضاً، وجدت الهول ذاته في انتظاري..

كان السيد (علاء) يقف قرب الباب، وجسده ينتفض بهلع وعيناه جاحظتان بشدة، بينما أ×ذ السيد (منير) يزحف على الأرض تجاهه وهو يمد يده أمامه وقد شحب وجهه بصورة مخيفة وتساقطت خصلات شعره على وجهه، ليبدو كالموتى الأحياء في أفلام الرعب القديمة، وقد اكتسى المشهد كله أمامي باللون الأحمر الساطع، القادم من البلورة..

"لكن اللون الأحمر يعني حضور أسوأ ما في هذا العالم وأشده خطورة.. لو تألقت هذه البلورة باللون الأحمر فسيعني هذا أن فرصتنا في النجاة من هذه التجربة ضئيلة.."..

هذا ما قاله لنا السيد (منير).. وهذا يعني أن هناك كارثة رهيبة موشكة على الحدوث، إن لم تكن حدثت فعلاً..

انتزعت الصرخة من حلقي: 

"سيد (منير).. ما الذي حدث؟!"

بالطبع لم يجبني أحد، بل واصل السيد (منير) زحفه المخيف هذا تجاه (علاء) الذي شله الهلع تماماً، ثم توقف السيد (منير) أخيراً وإن ظل يشير بيده الممدودة على (علاء), لتخرج الكلمات من فمه، بصوت لا يمت له بصلة:

"أ"ت.. أنت ستقيء دماً حتى تموت"..

قالها ثم تهاوى جسده دفعة واحدة!!

هنا بدأ السيد (علاء) في إطلاق الصرخات الهستيرية، ففقدت أنا أعصابي نهائياً، وحملت أول مقعد أمامي، لأهوي به على البلورة الزجاجية، لتتهشم يدوي أشبه بالقنبلة..

ساد الظلام الغربة، ليرتفع صوت صرخات السيد (علاء) الهستيرية أكثر وأكثر، بينما انحنيت أنا على السيد (منير) لأفحصه..

لكنه كان قد مات.. حالة منتهية كما اعتدنا أن نسمي كل من غادروا عالمنا البغيض هذا!!

ما الذي حدث هنا؟!

وأين اختفت جثة الطفل؟!!

انتبهت إلى هذه الحقيقة الجديدة، في اللحظة التي دخل فيها السيد (رضا) الغرفة ليضيئها، ولنظر إلى المشهد الرهيب أمامه، قبل أن يهتف بعصبيته المعتادة: 

"ما الذي حدث؟!.. ما الذي..؟"

لكنه بتر سؤاله ليهوي على وجه السيد (علاء) بصفعة هائلة أخرسته على الفور، قبل أن يكرر هو هتافه:

"ما الذي حدث هنا؟!!"

أجبته محاولاً التماسك:

"لا أعرف.. لقد وصلت لأجد أن السيد (منير) يموت وهو يشير إلى السيد (علاء), والأسوأ من هذا أن جثة الطفل اختفت"..

"ماذا تقول؟!.. (منير) مات!!.. الطفل اختفى!!"

ثم وبعملية يحسد عليها أسرع مغادراً المكان كله، تاركاً المأساة كلها على رأسي!..

لم أجد أمامي سوى (علاء) الذي انهار يبكي في ركن الغرفة فانحنيت عليه لأسأله:

"أخبرني ما الذي رأيته"..

لكن حالته أجابتني بأن الحصول على رد منه، سيكون ضرباً من الخيال، فتركته لأبدأ في البحث عن جثة الطفل التي اختفت.. لابد أنها هنا في مكان ما.. البد لأنها جثة رغم كل شيء..

لكنه نتيجة بحثي الذي لم يسفر عن شيء، جعلتني أقف في ردهة الفيلا أرتجف.. الجثة اختفت.. السيد (منير) مات.. والسيد (رضا) هرب، ولابد أن (فهمي) في الطريق إلى هنا، بينما يبدو أن (علاء) قد فقد عقله إلى الأبد..

ما الذي تفعله لو وجدت نفسك في مثل هذا الموقف؟!

موت (منير) سيعني أن هناك تحقيقات وشرطة واتهامات وسيتم ذكر موضوع سرقة جثة الطفل من المستشفى والغرض من هذه التجربة وكل ما يكفي لتتدمر حياتك إلى الأبد..

ما الذي ستفعله لو وجدت في مثل هذا الموقف؟!

ببطء قدري أغمغم:

"هذا المكان يحتاج إلى تطهير"..

وأبدا في تطهيره..

***

الآن أقود سيارتي مبتعداً عن المكان، وقد ارتفعت ألسنة اللهب من الفيلا لتمحوها من الوجود..

لابد أن أحدهم استيقظ وأنه أبلغ الشرطة والمطافئ، لكن حين يصل هؤلاء سيكون الأمر قد انتهى، فلقد حرصت على إلقاء البنزين في كل ركن في هذه الفيلا الملعونة..

السيد (علاء).. حسن.. لقد حاولت إخراجه، لكنه كان قد فقد عقله تماماً، ولم أكن لأخاطر بخسارة كل شيء أملكه من أجل مجنون مصاب بتليف الكبد!..

لست أعرف أين السيد (فهمي) ولا السيد (رضا) الآن، لكني واثق من أنهما لن يتحدثا في هذا الموضوع مع أحد.. ستمحى هذه الليلة من تاريخنا ببساطة وإلى الأبد..

الآن أقود سيارتي وأنا لم أخسر إلا فرصتي في معرفة مكان ثروة زوجتي الراحلة، لكنني سأواصل البحث..

حتماً سأجد ال..

"زوجتك حولت ثروتها إلى ماس، وأخفته في صندوق، دفنته في القبو"

ارتفع الصوت من المقعد الخلفي فانتفضت بذعر، لأنظر إلى الشيء الذي جعلني أصاب بالهلع لأصرخ بذعر هائل، ولأفقد التحكم في السيارة..

إلى الطفل الذي جلس في ظلام المقعد الخلفي، وإن مر ضوء مصابيح الإنارة في الشارع على وجهه لحظة، لأرى أنه يبتسم ابتسامة شيطانية مخيفة..

لحظة واحدة رأيت فيها وجهه الملطخ بالدماء الجافة، وتلك الابتسامة التي صاحبت جميع كوابيسي بعد هذه الليلة.. ثم سمعت بوق تلك السيارة ورأيت مصباحين عملاقين يتجهان تجاهي بسرعة خرافية.. ثم.. ثم...

ثم انتهى كل شيء بغتة..

***

فيما بعد عرفت أن السيد (فهمي) قتل زوجته في ذات الليلة وسم نفسه للشرطة..

وعرفت أيضاً أن السيد (رضا) غادر البلاد بلا رجعة، ينما أغلقت قضية فيلا السيد (منير) المحترقة بعد أن عثروا على جثته وجثة السيد (علاء), دون أن يجدوا دليلاً واحداً يصلح لاتهام أحد به..

أما أنا.. فلقد نجوت من الحادث حقاً، لكنني الآن مصاب بالشلل الكلي، و لن يمكنك أن تتخيل كيف أن قدرتي على تحريك سبابتي اليسرى - آخر ما يمكنني تحريكه بإرادتي في جسدي - هي الشيء الوحيد الذي جعلك تقرأ هذه القصة..

ثروة زوجتي في صندوق مدفون في قبو منزلي بالمناسبة لو أردت المغامرة والحصول عليه، لكن يجب أن أحذرك أيضاً أ"هم لم يعثروا على جثة الطفل في حادث السيارة..

في الواقع لم يعثروا عليها حتى الآن!!

لا أعرف - وربما لن أعرف - أين هو الآن.. لكني أتخيله دوماً يجوب ظلال الطرقات بوجهه الملطخ بالدماء الجافة وابتسامته الشيطانية المخيفة.. 

وحده يعرف حقيقية ما حدث..

وحده يعرف ما هو الثمن الذي يدفعه البؤساء الذين تألق في وجوههم اللون..

الأحمر..

 

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا