ساحرات سالم

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2026-10-16

ساحرات سالم:  

قرية سالم، التي هي اليوم مدينة دانفرز بولاية ماساشوستيس الأمريكية، كانت تضم عام 1692 مجتمعاً ريفياً صغيراً. كان سكانها المتطهرون (بيوريتانيون), من ذوي السيرة الطيبة، مجدون في عملهم، يؤمنون بالله ويخشون الشيطان. 

ولم تكن السنوات السابقة لعام 1692 سهلة بالنسبة لهؤلاء المستوطنين الجدد. لقد عانت ماساشوستيس من هجمات الجراد والقحط، وكانت هذه كارثة بالنسبة للسكان الذين كان جل اعتمادهم على الزراعة. ومما زاد الطين بلة، تلك الحرائق الكبرى التي اندلعت في بوسطن عام 1691، وخربت معظم المدينة. وكان الاعتقاد الشائع بين معظم المستعمرين، أن هذه المصائب كانت من صنع الشيطان، وبهدف إقصائهم عن "نيو إنجلاند". 

وإلى هذا المناخ، يعود اندلاع موجات التطير التي قادت إلى هستيريا عام 1692. فمع ما شاع من أن بعضهم يرتبطون بعلاقات شريرة مع الشيطان، راح أهل هؤلاء الناس يبحثون عن ضحايا من البشر، يلقون عليهم باللوم في المصائب التي يمرون بها. فوجدوا ضالتهم في أهل قرية سالم الصغيرة. 

عبيد القس باريس: 

قبل أن يتولى القس صمويل باريس المسئولية الدينية في القرية، كان في زيارة لجزر باربادوس، وعاد منها بعبدين اشتراهما من هناك: جون الهندي، وهو كاريبي يعمل بالزراعة، وزوجته تيتوبا التي كانت تعمل في بيت القس. وتيتوبا كان نصفها كاريبي والنصف الآخر أفريقي. ولهذا، جاءت ومعها أسرار "أوبياه"، السحر الشائع في الجزر الهند الغربية، والذي جلبه الأسلاف من أفريقيا. 

في شتاء عام 1691، بدأت تيتوبا تكشف عن قدراتها السحرية لبنتين صغيرتين في منزل القس، إليزابيث وأبيجيل. كانت إليزابيث ابنة القس فتاة هادئة مطيعة في التاسعة من عمرها. أما أبيجيل وليامز، فقد كانت ابنة خالة إليزابيث، تكبرها بسنتين، ذات طباع مختلفة مؤذية وشريرة. ولم يكن هذا أمراً شاذاً، فإن عنف التنشئة البيوريتانية، كان يتناقض بشدة مع تفتح الصغار للحياة. 

في الساعات الطويلة لبعد ظهيرة الشتاء، وكلما كان خال أبيجيل وزوجته خارج البيت، كانت تهرع إلى المطبخ، لكي تستمع إلى حكايات تيتوبا عن السحر، وتطالبها بقراءة مستقبلها. وبالطبع كانت إليزابيث تحضر هذه الجلسات. 

التدفق على مطبخ تيتوبا: 

ثم ما لبث أن جاءت فتيات أخريات، من بنات عائلات قرية سالم وخادماتهن، يسعين إلى التعرف على طالعهن. وصل عدد الفتيات إلى عشر، وأعمارهن جميعاً أقل من 20 سنة. وكان ما تقوم به تيتوبا من قراءة الطالع، يحدث إثارة شديدة للبنات، اللاتي اعتدن الحياة الرتيبة. كما أن قراءة الطالع كانت محرمة تماماً بين البيوريتانيين الذين يعيشون في نيو إنجلاند، باعتبارها من أعمال الشيطان. وكان أثر هذا الصراع شديداً على الفتيات، فمرضن وبدأت تصدر عنهن تصرفات غريبة. إليزابيث، كانت تمر بحالات قريبة من الغيبوبة، تظل تحدق في الفضاء لفترات طويلة، ثم تأخذ في الصراخ مرتمية على الأرض. وحدث نفس الشيء بالنسبة للفتاة أبيجيل، بالإضافة إلى الأصوات التي كانت تصدرها من حلقها، وكأنها تختنق. وكانت تنبح مثل الكلاب، وهي تحبو على أربع. 

يد الشيطان عليهن! 

بدأ القس بتلاوة الصلوات عليهما داعياً لهما الشفاء، فكانت أبيجيل تضع يديها فوق أذنيها لكي لا تسمع الصلاة، وكانت إليزابيث تصرخ، بل وعمدت إلى تطويح الكتاب المقدس عبر الحجرة. تضاعف قلق الأب، فاستدعى الطبيب جريجز، الذي أعطى الفتاتين العديد من العقاقير، دون فائدة ترجى. فقال آخر الأمر، وهو يهز رأسه في أسف "إن يد الشيطان عليهن!". 

تناقلت القرية قول الطبيب، وأخبار النوبات التي تصيب الفتاتين، وأخذوا يربطون بين ذلك وبين النوبات التي تصيب عدداً من فتيات القرية. فما كان من القس باريس إلا أن طلب النجدة من خارج القرية، فأقبل نصف دستة من القساوسة، من القرية والقرى المحيطة بها. 

عندما بدأ القساوسة صلواتهم الجماعية، كانت الفتيات تنصتن في هدوء، ثم بدأت تسودهن حالة من القلق، رحن يتلوين كلما ذكرت كلمة "الله" أثناء الصلاة. وانتهى الأمر بارتمائهن على الأرض في حركات عنيفة، وتصاعدت أصوات صراخهن، مما أضطر القساوسة إلى التوقف عن صلواتهم.

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا