الأشباح في الفلكلور الياباني. حين تلتقي الأسطورة بذاكرة الكارثة.
بعد زلزال وتسونامي "توهـوكو" عام 2011 الذي قتل أكثر من 15 ألف شخص في اليابان، بدأ بعض سائقي سيارات الأجرة في مدينة "إيشينومـاكي" يروون قصصاً غريبة. فقد قال عدد منهم إنهم التقطوا ركاباً ليلاً طلبوا الذهاب إلى مناطق دمرها التسونامي، لكن الراكب كان يختفي فجأة أثناء الرحلة أو عند الوصول.
الغريب أن هذه القصص لم تكن حالة فرديّة، بل تكررت مع عدة سائقين. وقد قامت طالبة في علم الاجتماع تدعى "يوكا كودو" بإجراء مقابلات مع أكثر من 100 سائق سيارة أجرة في المنطقة ضمن بحث جامعي، وسجلت عدة شهادات عن هذه الظاهرة.
قال السّائقون إن الركاب كانوا يبدون بدايةً طبيعيين تماماً، لكنهم كانوا يطلبون الذهاب إلى أحياء اختفت تماماً بعد الكارثة. وعندما يلتفت السائق إلى المقعد الخلفي، يجد المقعد فارغاً.
وقد فسّر البعض هذه الحوادث على أنها أرواح ضحايا الكارثة التي لم تستوعب موتها بعد، بينما اعتبرها علماء النفس تعبيراً عن الصدمة الجماعية والحزن العميق الذي عاشه سكان المنطقة، ممّا خلق هذه الأوهام في الأذهان.
وسواء كانت هذه الحوادث وهماً صنعه الحزن الجماعي أو شيئاً أبعد عن التفسير العلمي، فقد أعادت هذه الحادثة إلى الواجهة فكرة أصيلة في الثقافة اليابانية وهي أن بعض الأرواح تبقى في العالم بعد الموت، عاجزة عن مغادرته بسبب الفاجعة أو الحنين. ومن هنا تبدأ رحلة الفلكلور الياباني مع أرواح اليوري "Yurei"، تلك الأشباح التي سكنت المِخيال الياباني منذ قرون.
غير أن هذه الحكاية المعاصرة لا يمكن فهمها فهماً كاملاً دون العودة إلى الخلف قليلاً، إلى الجذور الثقافية التي شكلت نظرة اليابانيين إلى الموت والروح. ففكرة الأشباح في اليابان ليست طارئة على المخيلة الشعبية، بل تمتد عميقاً في تاريخ البلاد وفلسفتها الدينية.
ففي الفلكلور الياباني تُعرف الأشباح باسم اليوري "Yurei"، وهي أرواح البشر الذين فارقوا الحياة وهم يحملون مشاعر قوية لم تجد نهايتها بعد ظلمٌ لم يُرفع، أو حزنٌ لم يهدأ، أو وعدٌ لم يكتمل. ويُعتقد أن هذه الأرواح تبقى معلقة بين عالمي الحياة والموت، عاجزة عن مغادرة هذا العالم حتى تستعيد توازنها أو تتحقق العدالة التي افتقدتها في حياتها.
ولذلك كثيراً ما تظهر الأشباح في القصص اليابانية في هيئة حزينة أكثر منها مرعبة. فهي أرواح ترتدي عادة ثياباً بيضاء، وهو لباس الدفن التقليدي في اليابان، ويُنسدل شعرها طويلاً غير مرتب، في إشارة إلى انفصالها عن النظام الذي يميز عالم الأحياء. وفي هذه الصورة تتجسد فكرة أساسية في الثقافة اليابانية وهي أن الموت لا يقطع دائماً الصلة بالكليّة بين الإنسان والعالم الذي عاش فيه.وتجدر الإشارة إلى خيط رفيع يفصل بين "اليوري" و "اليوكاي" "yukai" في الثقافة اليابانية؛ فـ"اليوري" كائن تراجيدي بالأساس، يعبر عن امتداد الوعي الإنساني بعد الموت، بينما اليوكاي يمثل الغموض الكامن في الطبيعة ذاتها. فـ"اليوكاي" يمثل وحوشاً أو كائنات خارقة للطبيعة لها صفات غريبة (مثل الكابا أو التينغو) وغالباً ما ترتبط بظواهر بيئية أو أماكن محددة، وربما يتم التطرق لها بتفصيل في مقال آخر.
ويرتبط هذا التصور ارتباطاً وثيقاً بالديانتين اللتين شكلتا البنية الروحية لليابان عبر القرون "الشنتو" و"البوذية". ففي "الشنتو"، الذي هو الدين الأصلي لليابان، يُنظر إلى العالم على أنه مملوء بالأرواح أو ما يعرف بـ الكامي "Kami"، وهي قوى روحية تسكن الجبال والأنهار والأشجار وحتى الظواهر الطبيعية. وفي مثل هذا التصور الكوني يصبح حضور الأرواح في العالم أمراً طبيعياً لا يثير دهشة كبيرة.
أما البوذية، والتي دخلت اليابان في القرن السادس الميلادي، فقد أضافت بعداً آخر لفكرة الأرواح. فهي تتحدث عن حالات انتقالية بين الحياة والموت، وعن أرواح قد تبقى معلقة بسبب تعلقها الشديد بالعالم أو بسبب مشاعرها العنيفة. ومن امتزاج هذين التصورين نشأت صورة الأشباح اليابانية كما عرفها الفلكلور لاحقاً.
وما يعزّز قبول هذه القصص في الوجدان الياباني هو وجود "مواسم الأرواح" في التقويم السنوي، وأبرزها مهرجان "أوبون" "Obon". في هذا الموسم، يعتقد اليابانيون أن البرزخ بين العالمين يترقّق، وتعود أرواح الأسلاف لزيارة بيوتها القديمة. ولذلك لم ينظر كثير من سكان إيشينوماكي إلى ركاب سيارات الأجرة بوصفهم كائنات غريبة تماماً، وإنما كأرواحٍ ضلت طريقها في موسمٍ حزن طويل، عاجزة عن العثور على درب العودة بعد أن مُسحت بيوتها من الخريطة.
وقد ظهرت هذه الأفكار بوضوح في الأدب والمسرح اليابانيين منذ قرون. ففي مسرح "الكابوكي"، وهو أحد أشهر الفنون المسرحية التقليدية في اليابان الممتد من فترة "إيدو" "edo period"، انتشرت قصص الأشباح التي تعود فيها الأرواح إلى عالم الأحياء طلباً للانتقام أو بحثاً عن العدالة. ومن أشهر هذه القصص قصة "أوكيكو"، الخادمة التي قُتلت ظلماً وأُلقي جسدها في بئر، حتى شاع بين الناس أن روحها ما زالت تعدّ الأطباق كل ليلة بحثاً عن الطبق المفقود.
هذه القصص لم تولد من الرعب وحده، بل من الإحساس العميق بالعدالة المفقودة، وأن الأرواح التي عانت في حياتها قد تبقى شاهدة على ذلك الظلم حتى بعد الموت. ومن هنا اكتسبت الأشباح في الثقافة اليابانية بعداً إنسانياً واضحاً؛ فهي كثيراً ما تُصوَّر كضحايا أكثر من كونها كائنات شريرة.
ومع دخول اليابان العصر الحديث وازدهارها العلمي والتكنولوجي، لم تختف هذه التصورات من المخيلة الجماعية. بل إن المفارقة تكمن في أن اليابان، رغم كونها واحدة من أكثر الدول تقدماً في العالم، ما زالت تحتفظ بحضور قوي للفلكلور في ثقافتها الشعبية.ويعود ذلك إلى خصائص مميزة في الثقافة اليابانية، أبرزها احترام التراث والتقاليد القديمة. فالمجتمع الياباني لا يرى في الحداثة قطيعة مع الماضي، بل استمراراً له في أشكال جديدة. ولهذا نجد أن الأساطير القديمة لم تندثر، بل أعيد إنتاجها في الفنون المعاصرة أيضا.
ومن أبرز هذه الفنون السينما والأنمي. فقد أصبحت قصص الأشباح جزءاً أساسياً من الثقافة البصرية الحديثة في اليابان. أفلام مثل "ringu" و"Ju-On" أعادت تقديم صورة الأشباح التقليدية، خصوصاً المرأة ذات الشعر الطويل والملابس البيضاء، لكن في إطار سينمائي معاصر.
أما في عالم الأنمي، فقد اتخذت الأرواح أشكالاً أكثر تنوعاً وتعقيداً. ففي أعمال مثل "Spirited Away" و "Mushishi " و"Natsume Yuujinchou"، تظهر الكائنات الروحية بوصفها جزءاً من نسيج العالم، لا فقط عناصر للرعب. وفي هذه الأعمال يلتقي الفلكلور القديم بالخيال الفني الحديث، فتستمر الأساطير في الحياة داخل أشكال ثقافية جديدة.
وهكذا يتضح أن قصص الأشباح في اليابان أكبر من كونها بقايا من خرافات الماضي، إنما هي عنصر حي في الثقافة اليابانية، يتجدد باستمرار عبر الأدب والفن والسينما. وربما لهذا السبب وجدت حكايات سائقي سيارات الأجرة بعد تسونامي 2011 صدى واسعاً في المجتمع. فقد جاءت تلك الروايات وكأنها امتداد طبيعي لقرون طويلة من الحكايات التي تتحدث عن أرواح لم تغادر العالم بعد.
ربما لا يمكن الجزم بحقيقة تلك الحوادث. فقد تكون انعكاساً للحزن العميق الذي خلفته الكارثة، أو نتاجاً لذاكرة جماعية تحاول فهم الفاجعة بلغة الرموز والأساطير. غير أن انتشار هذه القصص يكشف حقيقة أخرى وهي أن الفلكلور الياباني لم يختفِ في زمن التكنولوجيا والقطارات فائقة السرعة، بل ما يزال حاضراً في الوعي الجمعي، يظهر أحياناً في المسرح القديم، وأحياناً في أفلام الرعب، وأحياناً في مقعدٍ خلفي لسيارة أجرة تسير ليلاً في مدينةٍ فقدت آلاف الأرواح.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا