تلاق الأرواح أثناء النوم لامين شارف

  • الكاتب : Aya Khaled
  • / 2026-07-15

خروج الأرواح أثناء النوم. تأمل في علاقة الروح بالجسد.

نام الجسد فوق الفراش ساكناً، غير أن صاحبه في تلك اللحظات كان يقطع بحاراً، ويعبر مدناً، ويشهد أحداثاً لم تقع في عالم اليقظة. فإذا كان الجسد لم يغادر موضعه، فمن الذي ارتحل كل ذلك الارتحال؟
من هذه المفارقة البسيطة ينبثق سؤال صاحب الإنسان منذ بدايات تفكيره في نفسه: ماذا يحدث للروح حين يستولي سُلطان النوم على الجسد؟ أهي فقط صور عابرة تنسجها الذاكرة، أم أن للنفس في تلك اللحظات حالاً أخرى تتبدل فيها علاقتها بالجسد والعالم؟
لقد أدرك الإنسان منذ أقدم العصور أن النوم حالة غريبة، تقف على الحد الفاصل بين الحضور والغياب. فالجسد يظل في موضعه، ساكناً خافت الحركة، بينما ينفتح الوعي على مشاهد وأحداث وأمكنة تتجاوز حدود الواقع المحسوس. ولهذا لم ينظر الحكماء واللاهوتيون إلى النوم على أنه انطفاء بسيط للحواس، وإنما اعتبروه حالاً تتخفّف فيها الروح من ثقل الجسد، فتغدو أقرب إلى عالم أوسع من عالم المادة.
وفي التراث الديني الإسلامي ترد إشارة بليغة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: "اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا". وقد وقف كثير من المفسرين عند هذه الآية وقفة تأمل طويلة، إذ تشير إلى أن النوم صورة خفيفة من مفارقة الروح للجسد، مفارقة لا تبلغ تمام الانقطاع كما يحدث في الموت، وإنما أشبه بارتخاء في تلك الصلة العميقة التي تربطهما.
ومن هنا نشأ التعبير الذي شاع في بعض الكتب وهو الإسقاط النجمي.  والمقصود به أن الروح تنفصل انفصالاً لطيفاً عن سلطان الجسد، انفصالاً يتيح لها أن تشهد صوراً وأحداثاً تتجاوز قيود المكان والحس المباشر. ولهذا كان القدماء يرون في الأحلام باباً من أبواب المعرفة، أو نافذة تطل منها النفس على عوالم لا تظهر حال اليقظة.
وقد وجد هذا التصور صداه في فلسفات متعددة. فالفلاسفة الإغريق تحدثوا عن النوم بوصفه حالة تنكفئ فيها الحواس، فينطلق العقل في فضاء أرحب من فضاء الإدراك الحسي. أما أفلاطون فقد أشار إلى أن النفس، حين تهدأ حركات الجسد، تستعيد شيئاً من طبيعتها الأصلية، فتطفو على السطح رغباتها العميقة وصورها الكامنة. وهكذا غدا الحلم عنده مرآة تكشف عن طبقات النفس الخفية.
وفي التراث الإسلامي أيضاً نجد إشارات متفرقة إلى هذا المعنى عند المتصوفة وبعض الفلاسفة. فقد رأى الشيخ الأكبر ابن عربي أن النوم يفتح للنفس باباً إلى عالم المثال، ذلك العالم الذي تتجسد فيه المعاني في صور، وتتحول الأفكار إلى مشاهد محسوسة. أما الشيخ الرئيس ابن سينا فقد حاول أن يفسر الأحلام تفسيراً يجمع بين الفلسفة والتجربة، فاعتبرها صوراً يركبها الخيال من المعاني التي ترد إلى النفس حين تخف حواجز الجسد.غير أن هذه التصورات، على اختلافها، تشترك في فكرة واحدة وهي أن النوم ليس حالة سكون محض، بل تجربة يتبدل فيها نظام الإدراك الإنساني. فحين تنطفئ الحواس الخارجية وتخمد ضوضاء العالم، ينفتح المجال أمام قوى أخرى في النفس، قوى أكثر خفاءً وأعمق أثراً.
ومع تقدم العلم الحديث اتجه علماء الأعصاب إلى دراسة النوم دراسة دقيقة "Somnology"، فاكتشفوا أن الدماغ يمر أثناء النوم بمراحل متعددة، تتفاوت فيها درجات النشاط العصبي. وفي إحدى هذه المراحل، المعروفة بمرحلة حركة العين السريعة، يشتد نشاط مناطق معينة في الدماغ، فينشأ ما نعرفه بالأحلام. وتتميز هذه المرحلة، التي يسميها العلماء مرحلة "REM"، بارتفاع نشاط الدماغ إلى مستوى قريب من نشاطه في اليقظة، بينما تبقى عضلات الجسد في حالة شلل مؤقت. ولهذا يستطيع الإنسان أن يعيش في الحلم أحداثًا مليئة بالحركة والمشاعر، بينما يظل جسده ساكنًا على الفراش.
 وقد دفع هذا الاكتشاف كثيراً من الباحثين إلى تفسير الأحلام بوصفها نتاجاً لعمليات عصبية معقدة، يقوم فيها الدماغ بإعادة ترتيب الذكريات والتجارب. وتشير بعض الدراسات إلى أن الدماغ أثناء النوم يعيد معالجة الذكريات الحديثة ويقارنها بالأخرى القديمة المخزنة في مناطق مثل الحُصين "Hippocampus' والقشرة المخية "Cerebral Cortex". وقد يكون الحلم في بعض الأحيان نتيجة هذا العمل الداخلي الذي يحاول فيه الدماغ تثبيت الخبرات وتنظيمها.
غير أن هذا التفسير العلمي، على أهميته، لا يلغي تماماً ذلك الشعور الغامض الذي يرافق تجربة الحلم. فالأحلام كثيراً ما تمنح الإنسان إحساساً بالانتقال إلى فضاء آخر، فضاء تتغير فيه قوانين المكان والزمان، وتتحول فيه الوقائع المألوفة إلى صور رمزية عجيبة. ويعزو علماء الأعصاب هذا الإحساس إلى أن المناطق المسؤولة عن الإحساس بالمكان والزمان في الدماغ لا تعمل أثناء الحلم بالطريقة نفسها التي تعمل بها في اليقظة، بينما تزداد نشاطاً مناطق الانفعال والتخيّل. ولهذا قد تبدو أحداث الحلم حقيقية تمامًا، رغم أنها لا تخضع لقوانين الواقع المعتادة. وفي تلك اللحظات يشعر المرء كأنه يشهد عالماً قائماً بذاته، عالماً لا يخضع بالضرورة لمنطق الواقع اليومي.
ولهذا ظل سؤال الروح حاضراً رغم التفسيرات العلمية. ومن الظواهر التي لفتت انتباه الباحثين أيضًا ما يعرف بشلل النوم، أو الجاثوم، وهي حالة يستيقظ فيها الإنسان بينما يظل جسده عاجزًا عن الحركة لثوانٍ أو دقائق. ويرى العلماء أن ذلك يحدث حين يعود الوعي قبل أن ينتهي الشلل العضلي الطبيعي المصاحب لمرحلة الأحلام. وقد ساهمت هذه الحالة الغريبة عبر التاريخ في نشوء كثير من التأويلات الروحية والميتافيزيقية للنوم.
 فالإنسان، مهما تقدم في فهم الدماغ ووظائفه، يظل يواجه لغز الوعي ذاته. ما الوعي؟ وكيف تنبثق التجربة الذاتية من المادة العصبية؟ تلك الأسئلة ما تزال تثير جدلاً واسعاً بين الفلاسفة والعلماء، ولم يصل البحث فيها إلى جواب قاطع.
ومن هنا تظل فكرة خروج الأرواح أثناء النوم ذات جاذبية خاصة، لأنها تعبر عن محاولة الإنسان فهم تلك اللحظة الغريبة التي يغيب فيها الجسد عن العالم، بينما يظل الوعي قادراً على التجوال في عوالم الصور والمعاني. وقد تكون هذه الفكرة رمزاً فلسفياً أكثر منها وصفاً حرفياً لواقع ميتافيزيقي؛ رمزاً يشير إلى أن النفس الإنسانية أوسع من حدود الجسد المادي.
ففي النوم يتراجع سلطان الحواس، ويهدأ صخب الحياة اليومية، فتظهر طبقات أعمق من التجربة الإنسانية. وقد يرى الإنسان في حلمه مشاهد لم تخطر له في يقظته، أو يلتقي أشخاصاً لم يعرفهم من قبل، أو يعيش أحداثاً تمتد عبر أزمنة متباعدة. وفي تلك اللحظات يتولد إحساس خفي بأن الوعي الإنساني قادر على تجاوز الإطار الضيق للحياة اليومية.
ربما لا تكون الأحلام سوى عمل الدماغ، كما يقول العلم. وربما تكون نافذة أخرى للنفس، كما ظن القدماء. لكن المؤكد أن الإنسان يستيقظ كل صباح وهو يحمل في ذاكرته حياةً عاشها دون أن يغادر سريره.
لعل النوم، في نهاية المطاف، يذكر الإنسان بحدود معرفته بنفسه. فالكائن الذي يقضي ثلث عمره في حالة غياب جزئي عن العالم، ويستيقظ كل صباح وقد عاش عالماً كاملاً في أحلامه، لا يستطيع أن يدعي فهماً كاملاً لطبيعة روحه.
وهكذا يبقى النوم أحد أكثر الظواهر الإنسانية إثارة للتأمل. ففيه يتجاور الجسد الساكن والوعي المتجول، وتلتقي حدود العلم بأسئلة الفلسفة، ويظل الإنسان واقفاً بين عالمين: عالم الحس الذي تدركه الحواس، وعالم خفي تتجلى ملامحه في صمت الليل وعمق الأحلام. وفي تلك المسافة الغامضة بين الجسد والروح، يظل سؤال الإنسان القديم يتردد: من الذي يرتحل حين ينام الجسد، ويعود مع الفجر كأن شيئاً لم يكن؟
لعل النوم يذكّر الإنسان كل ليلة بحقيقة أن للجسد حدودٌ، وأن الوعي أوسع من الجدران التي تحيط به. أو لعلّه لا ينام حقًا؛ بل يترك جسده مؤقتًا ليستعيد في الحلم شيئًا من حريته الأولى.

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا