حين يغيب الجسد في سبات عميق، تتحر الروح من قيودها. ال صوت، ال زمن، ال مكان. هناك، في تلك العتمة الساكنة، تبدأ حكاية ال يرويها
إال من عاشها.
كثيرون استيقظوا من نومهم والدمعة على خدهم، بعد أن رأوا أبًا رحل منذ سنوات، أو صديقًا بعيدًا، أو حبيبًا لم يعد. كان اللقاء حيًا، حقيًا،
كأنه لم يكن حلم ًا. فهل كانت الروح حقًا في زيارة؟
ِتي َلْم َتُمْت ِفي َم َناِمَها{ ]الزمر: 42 .]النوم إذًا هو "الموتة
ن ُفَس ِحيَن َمْوِتَها َواَّل
في القرآن الكريم إشارة عميقة لهذا السر: } ُهَّللا َي َتَو َّفى ا َأْل
الصغرى". في هذه اللحظة، تخرج النفس من الجسد، وتسبح في عالم ال تحكمه قوانين األرض. وربما في هذا العالم تلتقي األرواح، المتوفية
منها والحية، بال موعد وال استئذان.
العلم الحديث يسميها "أحالم التعويض" أو "معالجة الذكريات". يقول علم النفس إن العقل الباطن يعيد ترتيب مشاعرنا، فُيظهر لنا من نفتقده.
لكن ماذا عن األحالم التي تأتي برسائل واضحة؟ عن رؤى تتحقق بعد أيام؟ عن شخص لم تسمع عنه منذ سنين، فيزورك لي ًال، وتكتشف في
الصباح أنه توفي في نفس الليلة؟
الفلكلور العربي والياباني وحتى القص الغربية، مليئة بحكايات "الزائر الليلي". األم التي ترى ابنها الشهيد يطمئنها، والزوجة التي تحلم
بزوجها المسافر فيخبرها بأمر لم تعرفه. هذه التجارب تتكرر، وال يمكن تجاهلها بوصفها صدفة.
ربما نحن أمام أحد أسرار الخلق. النوم ليس غيابًا، بل انتقال. والروح ال تنام، بل تعود إلى أصلها. وفي هذا العبور الصامت، قد نلتقي بمن
نحب، وقد ُنسّلم برسالة لم نكن نملك شجاعة سماعها في اليقظة.
في النهاية، سواء كان تالقي األرواح حقيقة غيبية أو انعكاسًا لنفوسنا، فهو يبقى دلي ًال على أننا أكثر من مجرد جسد. وأن هناك عالم ًا آخر،
نعبر إليه كل ليلة، دون أن ندري.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا