(4)
جماعات السحر المعاصرة
رغم الدعاوى التي تتردد بين الحين والآخر في أوساط جماعات السحر المعاصرة، من أنهم يحيون التقاليد القديمة لهذه الجماعات، التي يرجع تاريخها إلى 300 أو 400 سنة، فلأغلب أن جذور هذه الجماعات السحرية المعاصرة ترجع إلى الوقت الذي نشر فيه كتاب مرجريت موراي "العقائد السحرية في أوروبا الغربية"، الذي ظهر عام 1921.
الأفكار الأساسية لكتاب دكتور موراي، تمضي كما يلي:
1. أن محاكمات الجماعات السحرية، التي جرت في أواخر العصور الوسطى، وفي عصر النهضة، لم تكن حول انحرافات فكرية، بل كانت نتيجة للصراع بين المسيحية والحركات المنظمة التي كانت ضد الدين.
2. وحركات السحر المضادة للدين هذه، يمكن اقتفاء جذورها فيما سبق عقائد الخصوبة الكلاسيكية، الأم العظمى والملك المقدس، والآلهة المتجسدة التي كانت تذبح لضمان الخير والخصوبة.
3. وأن هذه العقائد كان لها حتى القرن السابع عشر، نظام تسلسل رئاستها الدينية الخاص، ومهرجاناتها الخاصة، وأماكنها المقدسة، وتكوينها المميز. وكان السحرة ينتظمون في خلايا، تضم كل منها 13 ساحراً وساحرة.
4. وأن بعض ملوك إنجلترا كانوا أعضاء في هذه الجماعات، في مواقع عالية من تسلسل رئاساتها.
الخيالات الجنسية والسحرية:
تقول الدراسات أن الإحياء الفعلي المعاصر للعقائد السحرية، مرجعه إلى الخيالات الجنسية والعقائدية للإنجليزي كبير السن جيارلد جاردنر.
كان جاردنر، موظف الجمارك المتقاعد، غارقاً حتى أذنيه في الروحانية، وعلم الإنسان (أنثروبولوجي), والفلكلور والعقائد الشعبية. وكان يسيطر عليه - في الوقت نفسه - مزاج جنسي غير تقليدي، وميل إلى العقائد الشعبية، وسعى إلى الجمع بينهما في عقيدة خاصة به. تلك العقيدة السحرية التي كانت تعتمد على مجموعة من الطقوس التي تتضمن العري، والضرب بالسياط، والجماع.
كان كتاب جاردنر الأول بعنوان "المساعد في السحر العظيم"، الذي يصف فيه بأدق التفاصيل العديد من الطقوس التي كان يعتمد عليها سحرة العصور الوسطى. وفي عام 1954، نشر جاردنر كتاب "حرفة السحر اليوم"، وذكر فيه بوضوح أنه كان يمارس السحر شخصياً. وقال إنه في ذلك الوقت كانت إنجلترا حافلة بعشرات الجماعات السحرية، تمارس الطقوس السحرية القديمة، التي كان قد أشار إليها في كتابه الأول.
ديانة الإنجليز الأقزام:
أعلن جاردنر في كتابه هذا، أن حرفة السحر كانت ديانة السكان الأوائل لبريطانيا. وقال إنهم كانوا من الأقزام، وأصلاً لأساطير الجنيات. وتحت ضغط موجات الغزو المتتابعة، اضطر هؤلاء الأقزام أو "البشر الصغار"، إلى التخفي، وأخذوا معهم دينهم القديم. وعندما دخلت المسيحية إلى أنحاء الجزيرة البريطانية، ظلوا محتفظين بممارسة مراسيمهم الغريبة العربيدة في الأماكن النائية. وكان الفلاحون المؤمنون بالخرافات يخافونهم، أما النبلاء وزوجاتهم فقد كانوا ينضمون إليهم في هذه الممارسات.
هذه المزاعم العجيبة، مع الإيحاءات الشائعة حول ممارسة السحرة المعاصرون لحفلات الجنس الجماعي، أثارت حماس الصحافة البريطانية. فوجد جاردنر نفسه، وهو في السبعين من عمره، مشهوراً. لاحقته صحافة الأحد الشعبية، ونشرت وصفه للقاءات السحرة التي كان يطلق على الواحد منها اسم "سابات"، بما تتضمنه تلك اللقاءات من عري وطقوس الضرب بالسياط. وتكشف جاردنر عن شخصية مثيرة لفضول وحماس الصحافة.
الأب الجالس عارياً تحت المطر!
ولد جيرالد جاردنر في لانكشاير عام 1884، لأب ثري من تجار الأخشاب. وقد عرف عن والده أنه كان غريب الطباع، فقد كان يخلع ملابسة جميعاً ويجلس فوقها كلما هطلت الأمطار! وقد شب جاردنر وقد نما لديه ميل للتلصص على العراة، كما اعتاد على الاستمتاع بضرب العصا، على يد المربية التي كانت تشرف عليه في صباه خلال رحلات العائلة إلى الشرق الأوسط.
عاش جاردنر في الشرق حتى عام 1936، فاكتسب ميلاً للأسلحة، وبخاصة الخناجر. وكانت كتاباته الأولى، عن (كريس), الخنجر ذي الحد المتموج، الشائع في الملايو.
وعندما عاد إلى إنجلترا، ليصبح دارساً وممارساً للسحر. ووفقاً لقوله: إنه تعرف على عالم السحر عام 1946، عندما كان يعيش في (نيو فورست) بجنوب إنجلترا. وقصة ذلك، أنه التقى هناك بسيدة تدعى "دورسي العجوز"، كان يفترض أنها من الطبقة الأرستقراطية، علمته كل ما يتصل بالعقائد الشعبية والسحر، وأقنعته أن هذا جميعه يعتبر إحياء للديانات الوثنية القديمة. الباحثون لا يأخذون أقوال جاردنر على علاتها، ويرون أن الكثير مما رواه مستمد من خياله وليس من واقع فعلي عايشه، كما كان هناك أكثر من دليل على ميله إلى الكذب.
وأصبح ملكاً للسحرة:
ورغم كل ما تعرض له جاردنر من انتقادات، استطاع أن يجتذب المئات من الأتباع الجدد لعقائد السحر، وعندما مات في الثمانين من عمره، ظهرت مانشيتات الصحف البريطانية تتحدث عن وفاة "ملك السحرة". وأياً كانت قيمته كباحث، فقد نظر إليه الجميع باعتباره الشخصية الرائدة في عملية إحياء حرفة السحر. فمنذ وفاته، تضاعف انتشار جماعات السحر في جميع أنحاء بريطانيا والولايات المتحدة. ويقدر عدد الجماعات السحرية النشطة في الولايات المتحدة وحدها حالياً، بما يتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف جماعة.
ولكن ما هي بالضبط الممارسات السحرية التي أحياها جاردنر ملك السحرة؟
بالنسبة لنا جميعاً تستدعي كلمة "السحر"، صورة الساحرة قبيحة الوجه، ذات الطرطور الطويل، تمتطي مكنسة في الفضاء، وتشيع لعناتها الشريرة. غير أن السحرة المعاصرين يعلنون احتقارهم للشر، وأنهم يمارسون سحرهم من أجل خير البشر.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا