كراولي.. وجماعة النجمة الفضية
ومن بين الذين ارتبط اسمهم بجماعة الفجر الذهبي، أليستر كراولي الساحر الغارق في مختلف أنواع العقائد الشبيهة. لكنه لم يبق طويلاً في هذه الجماعة، وتركها ليؤسس طائفته الخاصة، القائمة على عقائده الشخصية.
ولد أليستر كراولي عام1875، في مدينة وارويكشار بإنجلترا، في جو عائلي يتصف بالتعصب والطائفية وضيق الأفق. كان والده ينتسب إلى جماعة "إخوة بلايموث"، ويعمل مبشراً بها. وهكذا، شب الفتى كراولي متمرداً، على قدر كبير من العنف، إلى حد أن والدته كانت تؤمن بأنه شخصياً الوحش 666، الفوضوي الوارد في عقيدة يوم الدينونة. وقد سجل كراولي مظاهر الجحيم الذي كان يقيمه وسط مجتمعه في كتابه "اعترافات". وكان مولد كراولي في السنة نفسها التي أسست فيها مدام بلافاتسكي الجمعية الثيوصوفية. وقد اعتبر كراولي هذا التوافق يحمل دلالة قوية، حول توحدهما.
على كل حال، لم يكن هذا بالشيء الذي يذكر، قياساً على ما جرى بعد أن رصد حياته لممارسة السحر. وقد أمضى شبابه في الترحال، وتسلق صخور الجبال، والقراءة، ومعاشرة النساء، وكتابة الشعر. وقد نجح في تسلق قمم أعلى سلاسل الجبال، وخاصة جبال الهيمالايا. ومن أفضل أشعاره التي كتبها "أها"، و"مدينة الله"، و"التراب السعيد"، وعشق العديد من النساء والرجال. وتوصل إلى وصفة خاصة من العقاقير المخدرة، التي كان قد عرف أسرارها عندما التقى ألان بينيت في عام 1898، وهو رجل إنجليزي تحول إلى كاهن بوذي، ولعب دوراً مهماً في نشر البوذية في الغرب.
سحابة فوق الحرم:
أمضى كراولي دراسته الرسمية في ترينيتي كولدج، بكمبردج. لكن ذلك لم يمنع استغراقه في دراسة الظواهر والجماعات الغامضة. كان عقله يتشوق إلى اللانهائيات، وكانت روحه تتوق إلى تجارب لا يمكن الوصول إليها من الخبرات الأرضية.
في عام 1898، وكان قد بلغ الثانية والعشرين من عمره، تصاعد جوعه إلى المعارف الروحية قد أصبح قوياً. وكان يقرأ في ذلك الوقت كتاب "سحابة فوق الحرم"، من تأليف كارل فون إكارتسهاوزن، وهو كتاب يشير إلى وجود أخوة خفية من الأتباع، قادت تطور البشرية. وكان لكتاب "السحابة" تأثير عميق على كراولي، إلى حد أنه أقسم على أن يأخذ مكانه بين أتباع ذلك التنظيم الخفي. وقد قاده اهتمامه هذا إلى الانضمام إلى عقيدة الفجر الذهبي، في عام 1898، بمدينة لندن. وكان قائد هذه الجماعة حينئذ هو ماذرز، الذي كان باحثاً مشهوداً له، بعد أن تمكن من ترجمة نصوص غامضة ومعقدة للغاية، مثل كتاب "كبالا دمداتا" لمؤلفه روزنورث. ولكن ماذرز كان إلى جانب هذا ساحراً، يمارس الأعمال السحرية بتفوق، فكان كراولي ينظر إليه باعتباره (السيد).
وقد انهارت جماعة الفجر الذهبي بعد قليل من دخول كراولي فيها. لكن هذا لم يثبط من همة كراولي، وعزمه على الوصول إلى المنابع الحقيقية للمعرفة والقوة. وعلى أنقاض جماعة الفجر الذهبي، أقام كراولي - بالتدريج - نظامه الذي أطلق عليه "النجمة الفضية".
بدأ بالسفر إلى المكسيك، وهاواي، وسيلان، والهند. فدرس ومارس اليوجا، والتانترا، والبوذية، وكان رائداً في التقنيات الجنسية لليوجا التانترية، في الممارسات السحرية التقليدية في الغرب. وبعد هذا بعدة سنوات، وخلال تجواله في الصين، تم تنصيبه ضمن النظام الداخلي لعقيدة "آي شنج" الصينية القديمة، والتي أدخل بعض عناصرها إلى العقائد الغربية.
شهر عسل مثير في القاهرة:
ولعل أهم أحداث حياته، كان ما جرى له في القاهرة، التي كان قد قدم إليها لتمضية شهر العسل مع زوجته روز، التي تزوجها في إسكتلندا، عام 1903 وكانت أخت رسام البورتريه الشهير جيرالد كيلي، رئيس الأكاديمية الملكية.
وقد وصف كراولي زوجته بأنها "اجتماعية ومنزلية للغاية"، ومن ثم كانت آخر من يتصور أن تكون لها علاقة بالممارسات التي كان غارقاً فيها. ولهذا، عندما أعلنت أنها قد بدأت تجري اتصالات بالمستوى الأثيري، كان كراولي متشككاً في صدق قولها. ولكنها أصرت على أن هناك رسالة ذات أهمية حيوية سيجرى توجيهها إلى العالم عن طريق كراولي، وأن عليه أن يهيئ نفسه لذلك. وذكرت له بعض الأسماء والأرقام السحرية، التي لا يعرفها سواه.
كانت حصيلة ذلك "كتاب القانون"، وهو عبارة عن ثلاثة فصول قصيرة وغريبة، أملتها على كراولي روح ذكية اسمها "آيواس". بدأ الإملاء ظهراً، وانتهى في الساعة الواحدة، على مدى ثلاثة أيام متعاقبة، في إبريل 1904 أعلن آيواس خلالها قانوناً جديداً للجنس البشري، وبداية عصر جديد في تطور الوعي الدنيوي.
آيواس.. والشيطان السومري:
في كتابه "السحر في النظرية والتطبيق"، لا يتكلم كراولي عن آيواس باعتباره ملهمه الخاص، ولكن باعتباره التيار السحري لطاقة الخصوبة الشمسية، التي كان كراولي يعتقد أنها كانت تعبد قديماً على صورة "الشيطان" في حضارة سومر. وفي صحاري مصر كان يعبد في عصر الأسرات، كما كان الحال مع الإله العظيم "ست".
ووفقاً لأقوال كراولي، كان ذلك الإله الأصل الحقيقي للبشرية، ثعبان الحكمة الذي تنسب إليه دعوة "اعرف نفسك"، الذي كان يعبده أتباع المذهب الغنوسطي، الذي اعتنقه بعض المسيحيين معتقدين أن المادة شر، وبأن الخلاص يأتي عن طريق المعرفة الروحية، ذلك المذهب الذي يكرهه المسيحيون.
لقد أعلن "كتاب القانون" عن قانون الإرادة السحرية، "افعل ما يتوجب عليك أن تفعله، ولا تفعل أي شيء آخر". وهذا ينسجم مع فكرة التاوية التي تقول بترك الأشياء تمضي في مسارها، دون تدخل من العقل الذي يسعى لأن يخضعها للمفاهيم.
الوصول إلى مرتبة "ماجوس":
في عام 1909، سعى كراولي إلى ارتياد الآفاق الأبعد، "الأثيريات" التي ناقشها كل من إدوار كيلي وجون دي قبل ذلك بثلاثة قرون. وقد زعم كراولي أنه كان إدوارد كيلي في حياة سابقة، وفقاً لعقيدة التناسخ، وأن ما يقوم به في ذلك الوقت هو مجرد استكمال ما كان قد بدأه من قبل في حياة سابقة. وقد وصف كراولي رحلاته الأثيرية هذه بالتفصيل، في أكثر أعماله أهمية، "الرؤية والصوت".
وفيما بين 1915 و1919، عاش كراولي في الولايات المتحدة. وفيها مر عبر سلسلة من المحن والامتحانات السحرية، التي انتهت بوصوله مرتبة "ماجوس"، المرتبة الأخيرة في تسلسل الرئاسات السحرية. وقد ذكر كراولي أنه توصل إلى أسرار هذه المرتبة، عن طريق آلهة مصر القديمة، الذين ظهروا له على صورة نساء متعددات!
لقد ربط كراولي بين الخواص المادية لهذه الآلهة، وبين الحيوانات أو الوحوش التي كانت هذه الآلهة المصرية القديمة تتخذها كأقنعة لها، والتي كانت تستخدمها كوسائط اتصال بقنوات القوة.
الرحلات الأخيرة:
وفي عام 1920، عندما أقام كراولي معبده في جزيرة صقلية، كان مستعداً القضاء باقي حياته في نشر وإشاعة عمله الكبير، والذي كان يراه فيما يقوم به من كشف للأتباع عن غوامض البشرية، خلال تحركهم من طور إلى الآخر.
ثم سافر كراولي إلى إيطاليا، وفي عام 1923 أبعد منها، فسافر إلى تونس، ومنها إلى فرنسا، حيث عانى معاناة قاسية، وحيداً ويائساً، في حربه ضد إدمانه للهرويين. ثم سافر إلى ألمانيا، قبل أن يعود إلى إنجلترا، ويقيم بها آخر 15 سنة من عمره.
ولم يحدث أن تنازل كراولي عن حلمه، بإنشاء مستعمرة للسحر، يسعى فيها أتباع عقيدته إلى استحضار القوى الغربية التي تبدت له يوماً عن طريق روحه الحارسة آيواس. وظل حتى وفاته عام 1947، في مدينة هاستينجز، في حالة عمل نشط بلا توقف، يصدر الكتب والنشرات، ويكتب الأشعار ويحرر ما لا عدد له من الخطابات، إلى أناس في جميع أنحاء العالم.
وجماعات السحر، وعبادة الشيطان القائمة على بعض العقائد الوثنية، لها نظائرها المعاصرة، في كثير من المجتمعات.
التعليقات
للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا