حساسية الجن للكاتب فارس عاشور

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-02-14

5. حساسية الجن 

أنا شاب متزوج الآن، لعلي كبرت على قصص الجن، خصوصا أنني قد تزوجت الآن، كبرت وترعرعت في اليمن السعيد، عندما كنت طفلا، بدأتُ أدرك أنَّ لدي القليل من المعرفة حول ما سيحدث قبل حدوثه بثوان، ليس علمًا بالغيب... لا. 

وإِنَّما أستطيع استشعار ما سيحدث قبل ثوان فقط من حدوثه وهذا أصلا غريب، أعني بذلك أنني كنتُ أعرف - أحيانا - ما سيقوله بعض الأطفال في الفصل، أو كنتُ أعرفُ متى سيرن الهاتف ويُقرع الجرس، أني سأسمع الآن حطام تكسير وفعلا أسمعه قادمًا من المطبخ وتكون والدتي قد كسرت شيئًا فعلاً. 

كان شعورًا ثم تحول ليقين، لدرجة أن أسرتي حين أقول لهم شيئًا سيصدقونني فورا. 

عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري، جاءتني مشاعر (لقد كنت هنا من قبل) كلما ذهبت إلى أماكن جديدة. 

لا أستطيع أن أتذكر متى على الرغم من ذلك، ولكنني بدأت أتعرض لظاهرة الديجافو بانتظام. ولا تستمر معي لمدة ثوان مثل الناس الطبيعية؛ لا، قد تستمر لربع ساعة. 

ومع مرور السنين أصبحت الأعراض أكبر حتى صار عندي ما تُسمى ب (حساسية). 

ببساطة حساسية لوجود كيان غريب سحر، مشكلة، مكان قد حصل فيه أذى لإنسان أو مات فيه، تصيبني أعراض تشبه الحساسية تتعبني جدًا، أطلقت عليها عائلتي (حساسية الجن). 

أنا أعيش في اليمن كما أسلفت، نفخر كثيرا بالبيوت القديمة المعمرة، ونحبُّ السكن فيها فهي تراثنا وأصلنا؛ ولذلك بَذل والداي قصارى جهدهما لترميم منزل جميل عمره 250 عام عاما في قريتنا. 

هدموا بعض الأقسام، وأعادوا بناء البعض الآخر، وأعادوا التسقيف والطلاء، وكل شيء. 

سمحوا لنا باختيار غرفنا بأنفسنا، كنتُ في السادسة عشرة حينها، ولرغبتي في العزلة نوعا ما، فاخترت غرفة وحيدة في الدور الثاني ومعزولة، فَقَد كان البيت كبيرًا بالرغم من أنه بسيط ومتواضع. 

لقد كان الأمر مرعبًا في البداية، ولكن بمجرد أن قمنا بإعادة بنائه قليلا، وطلائه، وإعادة تركيب أرضياته، وكل تلك الأشياء الجيدة أصبح المنزل تحفة فنية رائعة جدا. 

الجزء الوحيد في الغرفة الذي - ما زال - يُضايقني هي الفتحة الصغيرة في السقف يمين الغرفة، هذه الفتحة تؤدي إلى علية صغيرة مهجورة فوق كمخزن قديم. 

مجرد النظر إلى ذلك أعطاني شعورًا سيئًا منذ البداية، وأصابني ب (الحساسية) باستمرار في كل مرة أنظر إليها منذ اليوم الأول؛ لذلك وضعتُ دولاب ملابسي في تلك الجهة من الغرفة تحتها، ووضعت فوق الدولاب دمى حيوانات محشوة تصل للسقف لتغطيتها حتى لا أضطر إلى رؤيتها، ولقد نجحت في ذلك فأصبحت بالكاد تظهر. 

كانت الليلة الأولى في تلك الغرفة صعبة للغاية، وطوال الليل سمعت خدوشًا وضجيجًا قادمًا من العلية، لقد قلتُ لنفسي إن الخدوش مصدرها هو بعض الفئران التي اعتادت على الركض في هذا البيت المعمر، وعلي أن أعتاد على أصواتهم وأتشجع لتنظيفها لاحقًا مع أبي. 

ولكن... 

وأنا مستيقظ وأفكر بالأمر... ركض شخص بقدميه الثقيلتين فوق. 

لم يكن فأرًا حتمًا، هذا صوت أقدام، وليست أقداما عادية فمن صوت قرع الخشب؛ هذه لقدم رجل بالغ. 

قفزت من السرير وركضتُ لوالدي، لم تأتني الجرأة حتى لإزالة الدمى المحشوة وتسليط كشاف على الفتحة 

حين أخبرت والدي ضحك، وقال: 

- إذا في عليّتك يوجد شخص يبلغ طوله 4 أقدام، هذا يبدو منطقيا يا بني. 

ثم قال العبارة الشهيرة: 

- ربما أنت فقط تحلم، اقرأ أذكارك.

وأعادني إلى سريري. 

كنتُ أعرفُ أنني لم أكن كذلك، لقد أخافني هذا كثيرًا، ولكن من المدهش أنني اعتدت عليه وتجاهلته، ليس تلك الليلة فحسب، بل استمر الأمر يوميا. 

بدأت ألاحظ أشياء غريبة تحدث في غرفتي، أشياء صغيرة، تكون أبواب خزانة ملابسي مفتوحة، وأغلقها وأنزل إلى الطابق السفلي، وأعود للأعلى، لأجدها مفتوحة مرة أخرى. 

حين أخبرتُ والدي ضحك قائلا: 

- ربما مجرد ميل في الأرض. 

وبالطبع وجدتُ نفسي مجبرا لتجاهل الأمر فلا خيال آخر عندي. 

ثم جاء شعور بأني مُراقب، مُراقب بعناية شديدة، في كل ثانية أمضيتها في تلك الغرفة كنتُ أشعر بعيون شخص ما أو شيء ما تخترقني، الأمر غير مريح على أقل تقدير، لكنني حاولت المضي قدما والتكيف. 

لم يمض وقت طويل حتى بدأت أشعر بالرعب الليلي؛ لقد رأيت أشياء فظيعة، أشياء لا أود رؤيتها مرة أخرى، يوميا كنتُ أحلم بسلم طويل ينزل من الفتحة، سُلم خشبي تحديدا. 

وينزل منه شخص طويل جدا ليس كطول البشر، نحيل أسود لا ملامح له بأقدام ضخمة وينظر لي وأنا أراه ولا أقوى على الحراك أو الصراخ. 

كنتُ استيقظ باكيا، لقد صار يأتيني كل ليلة، الحلم لا يتوقف، وفي إحدى المرات قال: 

- أنا أراقبك. 

أخبرتني والدتي أنها كانت تسمع النحيب في منتصف الليل، وتنهض من السرير لتجدني أقف خارج باب غرفتي أصرخ وأبكي، ولكني لا أذكر أني فعلت هذا حين تخبرني في الصباح. 

عندما قيل لي إنني كنتُ أصرخ وأبكي وأخرج خارج المنزل - أحيانا- وأنا لا أذكر، أشعرُ بالخوف الشديد، بدأت أشعر بالإحباط قليلا لوجودي في ذلك المنزل، كل ليلة كنتُ أجد نفسي أفكر في مدى حزني. 

لن أنسى تلك الليلة ما حييت. 

تلك الليلة خرجت من الأوهام، والخيال، ومن تكذيب نفسي. 

لقد كانت مجرد ليلة عادية، كنتُ قد ذهبت إلى السرير ونمت في توقيت نومي المعتاد. 

استيقظتُ - فجأة - في منتصف الليل كالعادة، كل يوم استيقظ، إما على صوت الأقدام أو على شعور المراقبة. 

في غضون ثانية واحدة من الاستيقاظ كنت أشعر بالرعب والفزع؛ لأني هذه المرة شعرتُ بشيءٍ يُراقبني مرة أخرى لكن هذه المرة رأيته. 

أدرتُ رأسي ببطء إلى يميني حيث الدولاب، وهناك رأيته، رأسه تتدلى من السقف؛ شخصية سوداء داكنة تحدق في وجهي، كان رأسه مائلا إلى الأمام من جسده وهو ينظر إلي. 

اعتقدت أنني كنتُ أحلم؛ لذا جلستُ ورمشتُ وفركتُ عيني، ثُمَّ حدقت مجددًا، كان - لا يزال هناك. 

بدا مصدومًا مثلي بالرغم من أن ليس لديه ملامح لقد ارتد مرة أخرى وسحب نفسه للأعلى. 

لم أستطع فعل أي شيء، فقط جلستُ هناك في حالة من الرعب وبكيتُ بهدوء، لقد شلني الخوف حتى عن الصراخ، أدركتُ أن تلك لم تكن أحلاما، لقد كنت برفقته كل ليلة. 

صرت أنام على الأرض في الصالة لبضعة أيام بعد ذلك، وتجنبتُ غرفة نومي تماما. 

لقد تغيرت بعد تلك الليلة، لم أستطع الأكل ولم أستطع النوم، حالة من الفوضى المرعبة وسط ضيق عائلتي الشديد، حاولوا مساعدتي بكل الطرق لكني لم أتحدث؛ حتى لا يستهزئ أبي بي كما يفعل دائما، لم أقوَ على سماع عبارة (أنت تتوهم أو تحلم) كنت سأحطم البيت لو سمعتها، فالتزمت الصمت. 

بعد شهر، كنتُ قد صرت مجنونًا بما يكفي بسبب الهلاوس المستمرة لأقرر العودة والنوم على سريري مجددًا، وبسبب الإرهاق الشديد، تمكنت من النوم على سريري لمدة خمس دقائق في الظهر، كانت الغرفة مليئة بالنور فهي في العلية بشبابيك مفتوحة كبيرة، ومع ذلك... 

استيقظت مجددًا - فجأة - لأراه، لقد كان هناك مرة أخرى، لكن هذه المرة كان وجهه مقابل وجهي مباشرة، في وضح النهار، لم يتكلم ولم يتنفس، هذه المرة استطعتُ تمييزه، لا عينان ولا أنف ولا فم، وكأنه يرتدي جوربًا أسود على وجهه، طويل ومنحني الكتف وشديد النحافة. 

أنا صبي في السادسة عشرة، بللت سروالي. 

مر بعض الوقت، ولست متأكدا من كيفية التفكير في الأمر مرة أخرى، لكنني تمكنت من تجاهل كلّ هذا، وواصلت البقاء في تلك الغرفة وكأنني أرغب في تحدي أمر كبير يجول في داخلي. 

ساد الهدوء لبعض الوقت، وتوقف عن الظهور لبعض الأيام. 

ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأت أستيقظ مصابا بجروح في جسمي، جروح قطعية في جلدي، معظمها على ظهري وكتفي. 

في كل ليلة، عندما كنتُ أحاول النوم، كنتُ أشعر ببعض القوة غير المرئية التي تضغط على رقبتي، وأصبح التنفس أكثر صعوبة كلّ ليلة، أصبحت مكتئبا للغاية، وأجد نفسي جالسًا مستيقظا طوال الوقت، وأنا أعلم أنني مراقب وأفكر في إنهاء حياتي. 

كان والدي - ولا يزال - حتى يومنا هذا متشككا جدا بي وبقصصي، أما والدتي فقد صدقتني. 

خافت مما كان يحدث، وأصرت علي أن نتصل بشيخ، وكنتُ قد وصلت لمرحلة (سأجرب أي شيء عله يفلح). 

استدعت الشيخ، وقام بجلساته للقراءة، وبصراحة لا أعلم إن كان ما فعله سيجدي نفعا لأننا غيرنا الغرف، لقد جهزوا لي غرفة أخرى لأنام بها. 

كانت الغرفة الجديدة على ما يرام، سكنتُ بها لمدة عام بخير دون كوابيس (لا أزال أشعر بصدمة طفيفة) واعتقدت أن هذا هو كل شيء، حتى تخرجت من الثانوية ودخلتُ للكلية وانتقلت إلى سكن الكلية في المدينة ومن ثم تزوجت 

وانتهى كل شيء، ولكنني لم أتعاف، ولم أنسَ.

تمت

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا