أضواء المزرعة للكاتب فارس عاشور

  • الكاتب : q8_failaka
  • / 2025-01-28

3. أضواء المزرعة 

عندما كان براد كولب طالبا في جامعة ميامي في أكسفورد، أوهايو، كانت هناك شائعة مفادها أن هذه المدينة كانت واحدة من أكثر الأماكن المسكونة بالأشباح في أمريكا، عندها قرر براد كولب والذي كان مهووسًا بقصص الأشباح إنشاء مجلة داخل الحرم الجامعي. 

لم يستطع الانتظار حتى يكتب عن العديد من أشهر الأشباح في المنطقة، بعد فترة وجيزة من نشر قصصه ظل يجد نفسه يفكر في شبح واحد على وجه الخصوص؛ شبح طريق أكسفورد ميلفورد. 

جلس براد يكتب عنه بحماس شديد حين جاءت زوجته وسألته عن قصته كانت زوجته مهووسة بالماورائيات مثله تماما. 

أجابها براد: 

- تقول القصة: إنه ومنذ عدة عقود، ربما في وقت ما في الأربعينيات، كان هناك شاب عاش في منطقة ريفية من المدينة، كان تغلبها تربية الماشية والمزارع والأجواء اللطيفة، كان يعمل في إحدى المزارع وكان خيالا ماهرًا، كما كان يعشق ركوب الدراجات النارية في أول ظهورها، كان صوتها مزعجًا بالنسبة لمنطقة هادئة كالريف. 

أثناء عمله في المزرعة رأى فتاة تسير بالقرب منه، لقد لفتت نظره بشدة، كان حبًا من النظرة الأولى، هذه الفتاة - أيضًا - كانت منجذبة له، كانوا في البداية كعصفوري حب، ولكن سرعان ما اكتشف والدها الأمر، كان والدها يملك مزرعة ماشية ضخمة في المنطقة وهو شديد جدا، لم يكن يطيق شباب المدينة ولا من يتصرفون مثلهم، كان يكره هذا الشاب تحديدًا هو ودراجته النارية التي يتجول بها وتُقلق سكون المناطق الهادئة كريفهم الجميل. 

كانت الفتاة تخشى والدها كثيرًا ولم تشأ إغضابه، فأصبحت تتسلل من البيت برفقته كل ليلة بعد أن ينام والداها، كان يزورها كلّ ليلة تحت جنح الظلام، ولأن صوت دراجته كان مزعجا وعاليا لم يكن الشاب يستطيع الاقتراب من البيت، فكان على الفتاة المشي لمسافة لا بأس بها حيث ينتظر الشاب، أحيانا كانت تعتقد أنه وصل بسبب صوت مجرور أو سيارة وحين تخرج يكون محبوبها لم يصل بعد، وبما أن القصة في الأربعينيات الميلادية فبالطبع الهواتف لم تكن خيارًا متاحًا وقتها، فاضطرا لابتكار طريقة للتواصل. 

في الليل، وفي الريف تحديدا، كانت الشوارع شبه مُعبَّدة، مظلمة ولا ترى سوى ظلال الشجر في كل مكان، ومهما نظرت إلى الأفق فإنك لن ترى سوى السواد. 

بعد أن يذهب والداها إلى السرير، تتسلل الفتاة للأسفل إلى سيارة والديها المتوقفة في الكراج وتُضيء أضواء السيارة ثلاث مرات متتالية؛ فيراها الشاب فيجيب هو بأضواء دراجته ثلاث مرات متتالية أيضًا، فتأتي له مسرعة خارج المزرعة، وبعيدا عن سمع والديها ويهربان بالدراجة النارية حتى الصباح. 

وفي أحد الليالي الماطرة، كان الاثنان عائدين بسرعة للمزرعة؛ لأن الفجر على وشك أن يحل ويجب على الفتاة أن تكون في سريرها بحلول هذا الوقت، كان الشاب مسرعًا وفقد السيطرة على دراجته واصطدما بشجرة لم يرياها في الظلام، كانت تبعد عن المنزل قرابة المئة متر، كان الحادث مؤذيًا لهما؛ حيث تعرضا لكسور في الجمجمة ولم يعيشا طويلا بعد إسعافهما. 

مضت الأيام ومات الأم والأب حزنًا على ابنتهما التي خذلتهما بعدم الاستماع لهما بعد بضع سنين، وبمرور السنين هجرت المزرعة وكل ذاك الريف تقريبا بعد نزوح السكان للمدينة، وصار كل شيء هناك مهجورًا، وبدأت تظهر الكثير من الشائعات حول ذاك الريف وخصوصا تلك المزرعة، حتى وصلنا لأعوامنا الحالية ووصلت القصة ل براد كولب وزوجته، وكالعادة وبسبب جنونهما المعتاد، قرر براد وزوجته التوجه إلى هناك لمعرفة ما إذا كان بإمكانهما التحقق من الحكاية ورصد شيء غريب. 

حين وصلوا عند الغروب، تجولوا بين المنازل بالسيارة، لا شيء يُضيء المكان هنا سوى الشمس التي على وشك أن تغيب، جميع الأبواب والشبابيك تتخبط من الهواء وخالية لا أحد فيها، وكانت هناك، المزرعة؛ في المنتصف، مزرعة كبيرة كما حددتها الرواية، أشجار نامية حولها وكأنها قلعة رعب، ممر طويل جدا حتى البيت المهجور. 

عبرا الطريق بسيارتهما حتى وصلا للمنزل ونزلا وتفحصاه، كان يلقي بعض النكات وهو ينادي الشاب صاحب الدراجة النارية بأنه حبيبته هنا وعليه المجيء فورًا بينما كانت زوجته خائفة وترتعش وتطلب منه التوقف، عادا للسيارة فوجدا السيارة تعمل. 

قال براد لزوجته: 

- أ أعدتي تشغليها؟ 

قالت له بخوف: 

- لا... لا تمزح معي براد. 

شعر بالقلق، إنه يذكرُ جيدًا إغلاقه للسيارة قبل نزوله، ولكنه قال لنفسه إن عقله قد يكون خدعه بذلك، لربما تركها تعمل ونزل على عجل ليرى البيت. 

تناسى الاثنان ما حصل وبقيا في السيارة لتناول وجبة خفيفة وهما يستمعان للموسيقى، كانا سيغادران بعد هذه الجولة البسيطة، ولكن لم يرضَ أن تُنهي قصته عند هذا الحد، فقرر أن يحرك الأجواء قليلا. 

سال براد زوجته: 

- عزيزتي... ماذا تتوقعين أن يحدث لو أننا ومضنا بأنوار السيارة ثلاث مرات؟ 

قالت زوجته: 

- أنا لست مرتاحة، ولكنني فضولية حيال الأمر. 

ضحكت وتابعت: 

- افعلها. 

قام براد بالومض بأضواء السيارة 3 مرات باتجاه الأشجار حيث كان يقف العاشق الدرّاج قبل 70 عاما. 

انتظرا قليلا من الوقت، لا شيء حدث، وبدأ في الضحك، قالت زوجته: 

- يا إلهي! كم هذا مرعب! اعتقدت لوهلة بأنه سيُجيبنا. 

هنا ربط حزام الأمان براد استعدادًا للتحرك وليعودا أدراجهما وهو يضحك، كانت تجربة غريبة وممتعة. 

حاول إنزال المكابح لكنها كانت عالقة نوعا ما؛ فالسيارة قديمة ومستأجرة، لم يكن مركزا مع المكابح كثيرًا؛ فقد كان يضحك بشدة لأن زوجته كانت تموت رعبًا من هذه التجربة. 

بعد عدة محاولات فاشلة قرر أن يتوقف عن الضحك قليلا ونظر للأسفل باتجاه المكابح محاولا التركيز لجزء من الثانية وهو يقول لزوجته: 

- أنا نادم جدا؛ لأنني لم أحضر الكاميرا، ليتك رأيتِ وجهك، أنت ترتجفين بانتظار شيء ما ليخيفك. 

لم يسمع براد ردًا من زوجته، كما اختفى صوت ضحكها فقد سكتت تماما، رفع رأسه ليجدها شاخصة البصر تنظر للأمام. 

وقبل أن يسألها نظر إلى الأمام ليشاهد مشهدًا جَمَّد الدم في عروقه؛ كان هناك نور أصفر بعيد جدا يومض لهما. 

ومضة... ومضتان... ثلاث. 

وبدأ النور الأصفر في التحرك، لقد أصبح يتقدم نحوهما. 

لا يريان شيئًا بسبب الإضاءة الشديدة التي تصدر منه، كلّ ما خلفها كان ظلا أسود. 

كان يقترب عبر الممر الترابي، واستطاعا سماع محرك الدراجة النارية بوضوح. إنه نور دراجة نارية فعلا، لقد شعرا بعرق بارد ينزلق على ظهريهما. 

فقدا القدرة على الكلام، وصارت الدراجة النارية تزيد في سرعتها باتجاههما دون توقف. 

حاول براد تحريك السيارة دون جدوى، لقد عطّل الرعب كل ذرة تفكير يملكها، بينما ظلت زوجته تصرخ حتى شقت سكون الليل. 

بدأت الدراجة تقترب وتقترب حتى صار صوتها مدمرًا للآذان، واستسلم الاثنان لمصيرهما، بغض النظر عن ماهية هذا الشيء فهو على وشك الاصطدام بهما بسرعة جنونية، وبحركة تلقائية قاما برفع يديهما لحماية رأسيهما. 

وفجأة، وقبل الاصطدام بثانية واحدة، اختفى. 

ماذا حصل؟ رفع براد وزوجته رأسيهما وهما يرتجفان، لم يصدقا ما حصل للتو، هو أبعد ما يكون عن الخيال لا يمكن أن يكون خيالاً. 

لعله ابتعد عن السيارة في اللحظة الأخيرة، ولكن حتى صوت محرك الدراجة النارية المزعج اختفى، كيف؟ نزلا من السيارة يركضان بحثًا حول البيت، لا شيء، لا دراجة نارية، ولا صوت، ولا أضواء، عندها أيقنوا... 

لقد كان شبح الشاب. 

ولقد لقنهما درسا لن ينسياه، هما لن يعبثا معه مرة أخرى. 

عادا لسيارتهما مسرعين واستطاعا تحريك المكابح وهما يلتفتان حولهما يمينا ويسارًا؛ خوفًا من عودة الشبح الشاب مجددًا، وعادا أدراجهما وهما يرتعدان. 

كتب براد القصة في مجلة الجامعة وبسببها زار الكثيرون تلك المزرعة ليعيشوا هذه الظاهرة الغريبة المفزعة. 

رصد الكثير أصوات وأضواء هناك، ولكن لم يعش أحدًا شيئًا مماثلاً مثل ما عاشه الزوجان، كانت تجربة لا تُنسى. 

تمت

 

التعليقات

للتعليق يجب عليك تسجيل الدخول اولا